أن نؤرّخ للانتفاضة الثانية ونقول إن عمرها بلغ في الثامن والعشرين من سبتمبر الحالي أربعة عشر عاماً، فهذا يعني أن ننتزع من مسيرة النضال الفلسطيني مرحلة أكثر سخونة وأغزر دماً وأخطر استيطاناً.

في سبتمبر من العام 2000، كان الوفد الفلسطيني المفاوض برئاسة الراحل ياسر عرفات عاد للتو من مفاوضات «كامب ديفيد» الثانية

. ولا زالت ذاكرتنا عامرة بتلك الصورة الشهيرة التي تُظهر عرفات وإيهود باراك، كل يدفع الثاني لدخول المبنى أولاً، فكانت تلك الصورة شديدة التنافسية مع صورة التقطت قبلها بسبع سنوات في البيت الأبيض حيث أظهرت ما سُمّيت المصافحة التاريخية بين عرفات وإسحاق رابين اللذين وقّعا أيضاً في سبتمبر 1993، وبالتحديد في الثالث عشر منه، اتفاق أوسلو الذي بقي حبراً على ورق ودماً على الأرض.

كانت نقطة البداية بالضبط حين عقد الرئيس الأمريكي في حينه، بيل كلنتون، مؤتمراً صحافياً وحمّل فيه مسؤولية فشل المفاوضات على الجانب الفلسطيني. كان مطلوباً منه كلمة السر تلك التي كانت بمثابة صافرة البداية لتتكفّل إسرائيل بالباقي.

لا تحتاج المسألة لكثير من الغوص في الأعماق لمعرفة ماذا يعني أن يقتحم سفاح «صبرا وشاتيلا» باحات المسجد الأقصى ويتجول فيها كأنها «مزرعته» مترامية الأطراف في النقب الفلسطيني المحتل. إذن، كان الغطاء الأمريكي وكانت شرارة الاستفزاز، فكانت الانتفاضة الثانية.

من مساوئ زمن التراجعات أن المتراجع، على نحو غير تكتيكي، يقبل اليوم ما رفضه أمس، ثم يقبل غداً ما يرفضه اليوم، وعندما يعرف العدو هذا يلعب جيداً في ملعبه المفضّل. ففي الأشهر الأولى للانتفاضة الثانية كان الخطاب السياسي والإعلامي الفلسطيني والعربي الرسمي والدولي يتحدّث عن انسحاب قوات الاحتلال إلى «ما كانت عليه قبل 28 سبتمبر».

 كانت الصيغة قبلاً «الانسحاب حتى حدود ال 67»، والآن يدور الحديث عن فتح معابر مع خلاف على من يقف عليها، وعن دخول حليب الأطفال ومواد لإعادة بناء المنازل التي ستنتظر موعد التدمير المقبل، حسب التوقيت الإسرائيلي «الصالح» لكل الفصول.

إذا استمرّت موازين القوى على حالها، والوضع الفلسطيني والعربي على انقسامه، والدولي على نفاقه، ستنحصر المطالب الفلسطينية قريباً بـ «حق الحصول على أوكسجين التنفّس».