عصمة

إذا كانت حمى التفاصيل، وتعميات التحايل والتلاعب، لم تثمر بعد تغييباً كاملاً للعقول، فلنا أن نستقري بوضوح مسارات النزاعات الأخيرة في العالم التي إن كان جلّها بدأ بنهضات من الشعوب في وجه الطغيان، فإنه تم تحويلها في معظمها إلى حالات من الفوضى التي لا تنتهي، لتترك في خلاصاتها درساً يلقنه صانعو الفوضى لطالبي التغيير بأن السكوت كان وسيظل من ذهب.

وربما لم تكن هذه اللعبة حكراً عربياً، فالعالم أجمع بما أظهرته حكوماته من ممارسات، وعلى وجه الخصوص، داعية نشر الحريات منها، يكشف عن تحايل خبيث، أداته تكريس الخوف لتبرير التعدي على الحريات وغيرها، وليس التجسس في أكثر من دولة غربية على الملايين من شعوبها، وسياساتها الخارجية في التعامل مع الدول والشعوب الأخرى، سوى فضح لتحايل أكبر في شتى الممارسات تحت غطاء توفير الأمن والحماية من المخاوف من أعداء كثيرين، وهي مخاوف وتهديدات يتم تصنيعها في معامل تلك الدول لهذا الغرض.

ما تبين أكثر أنه لم يكن حكراً عربياً، العصمة التي ترى قلة أنها وهبت لها بقدر إلهي أو بنقاء عرق أو حتى بميزة شخصية بما تمتلك من جبروت، وسواء بذلك تنظيمات صغيرة مارقة لم تؤتَ من العلم شيئاً، أو أنظمة في دول العالم الثالث ليس لديها من الرؤى والتخطيط سوى ما تستورده من مراكز بحثية غربية، أو نخب سياسية ومالية تحكم في الغرب بالخداع والتضليل.

في ظل أوضاع مغشوشة هذه سماتها، يكون أي نقد لهذه العصمة خروجاً عن الطاعة وخروجاً عن الإجماع، بل يصبح الكلام في حدوده الدنيا محرماً إذا مس أياً من هذه الأوضاع المغشوشة، ليس في دولة دون الأخرى، وإنما سمة أصبحت تطبع العالم أجمع.

على أن من يحاصر نفسه بقداسة هذه العصمة المغشوشة التي لا ترى في النقد، أو التشخيص الصحيح لمشكلاتها وأمراضها، أداة صحية في علاج تلك العلل ومن ثم الاستقرار والاستمرار والبقاء، حتماً سيكون قد بنى جسداً هشاً من السهل أن يتآكل وحده بأخطائه هو، وبأمراضه التي يصنعها بنفسه لنفسه. إجبار النقد والتشخيص الفاعل والنافع على السكوت هو سرطان هذه الأمراض.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات