كلام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حول ربط عودة جماعة الإخوان للعمل السياسي بنبذهم العنف، ينطوي على واقعية سياسية عميقة ونغمة تسامحية مفعمة بالمسؤولية، إذ إن العمل السياسي والعنف خطان متوازيان لا يلتقيان، فضلاً عن عبثية العنف وعدم خدمته لأية قضية وطنية أو قومية أو حتى دينية، بقدر ما تصب في نهر المخططات الخارجية التي تُضمر شراً بمصر وتالياً بالأمة العربية كلّها.
هذا ليس كلاماً عاماً أو إنشائياً ينطوي على فذلكة خطابية، بل استنتاج مبني على علم إدارة الصراعات وعلى التجارب التاريخية، إذ إن كل البلاد التي اعتمدت قوى سياسية فيها على العنف الداخلي، لا هي وصلت الحكم ولا البلاد حافظت على أمانها ووحدة شعوبها. ولعل التجربة الجزائرية ماثلة في الأذهان رغم كل ما قيل وما يمكن أن يقال حول مشروعية الاحتجاج على إلغاء الانتخابات مطلع التسعينيات. لكن شلالات الدماء التي أسيلت في ذلك الوقت وما تلاه كان أكبر وطأة من مسألة إجرائية مهما حملت من أبعاد سياسية.
ثمة قوى سياسية تدمّر مشروعية أهدافها بخطأ اختيار الوسائل، وسوء تقدير موازين القوى وضبط المعادلة بين الهدف والقدرة على تحقيقه. ووفقاً لهذه القاعدة الأساسية والإنشائية يمكن النظر لما سبق انتفاضة 30 يونيو التي أسقطت حكم الإخوان في مصر، وما تلاها. وكان على «الإخوان» منذ البداية أن يجروا عملية مراجعة علمية دقيقة وهادئة لما حدث وأن يبدأوا بوضع عنوان جريء وشجاع يتوّج عملية المراجعة ويحمل كلمة «الفشل»، قبل الانتقال للسؤال العبقري التاريخي «ما العمل ؟».
ولنفترض أن جماعة الإخوان لم تسلّم بحقيقة وقوعها في أخطاء فادحة كلّفتها الحكم نفسه، كان بالإمكان الانتقال لسؤال «ما العمل؟» على قاعدة انعدام الخيارات الإيجابية باستثناء البقاء على مسرح العمل السياسي على قاعدة الانتقال إلى موقع المعارضة، وبهذا كان يمكن لـ «الإخوان» أن تقلل خسائرها، بدل أن تخسر الحكم وتخسر نفسها.
في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الأمتين العربية والإسلامية كانت الفرصة متاحة أمام «الإخوان» لكي يظهروا تمايزاً عن حركات مدمّرة تتدثّر بالإسلام لتحقيق غايات خبيثة، لكن الجماعة تواصل الصمت، وإذا لم تلتقط الفرصة ستفقدها إلى الأبد.