الدم أم الدين

كثافة الدم المسفوك بجرأة غير مسبوقة، أصبح العنوان الوحيد الذي يسم الأحداث على امتداد العالم العربي والإسلامي، وفي ظل التشابك الكبير للمجريات وتسارعها أصبح العقل لا يلتفت إلا إلى لون الدم الذي يعيب على الضمير أن يلتفت إلى سواه لحرمته ولكثافة انتهاك هذه الحرمة على السواء.

على أن آخر متورط بهذا الدم هو من يحمل إرث القبح كله، فسرعان ما تسقط الملاحقة المحمومة للأحداث العلة والمتسبب والمجرم من الذاكرة، لتلصق بها سفاحين جدداً، فمن يسفك دماء الشعب السوري، لم يعد يذكر كثيراً أمام العرض اليومي لأفعال تنظيمات فرخت وتفرعت هنا وهناك.

برغم أنه لايزال يمارس أفعاله المجرمة وبهدوء أكبر، فآلة صنع الذاكرة للرأي العام منحته هدنة ربما طويلة لأن شغلها الشاغل الآن أن تصنع ذاكرة قوية لا تزول لعدو دموي آخر.

ويبدو أنه تآزرٌ من نوع غريب بين هذه الآلة الإعلامية على امتداد العالم من جهة، وتلك التنظيمات التي ولّت نفسها بنفسها خلافة على أمر المسلمين دون أن يبايعها أحد، لترفع شعار الإسلام وتمارس باسمه أفعالاً يربأ حتى الشيطان عن الانتساب إليها حتى لو أتى بها، وهي تتكبر باتيانها وتصويرها لتبث أمام العالم بأسره.

في انشغال الضمير للانتصار لحرمة الدم المسفوك، وفي كثافة وشراسة ما تبثه آلة صناعة الرأي العام يومياً، يكون تكريس الخوف والفزع من صورة الإسلام، الأكثر نجاعة عبر التاريخ.

ما يميز هذا التشويه للإسلام، عن سابقاته من حملات عبر التاريخ القريب والبعيد، أن الفزع من دين الرحمة والتراحم، يتم تكريسه الآن عند أهل هذا الدين أنفسهم، وبيد من يدعون أنهم أصحابه.

صورة مرعبة لمليشيات تشيطنت وهي ترفع راية الإسلام الجليلة، تقطع الرؤوس دون رحمة، تهدد باجتياح دول ومناطق لتقيم نظاماً متشدداً، يسبقها دستورها الدموي، لتتلقف آلة الإعلام عبر العالم كل ذلك وتساهم بنشره على أوسع نطاق.

يتفق مع ذلك الرصاص الذي أزهق أرواح أطفال ونساء وشيوخ بريئة باسم الطائفية والمذهبية، ليعمل كل ذلك على طبع صورة لا تمحى عن دين ليس فيه غير الحديث بلغة القتل، وتضع المسلم أمام خيارين لا ثالث لهما، الدم أم الدين.

وإن كان ثمة حلف لا بد أن يقام في وجه حلف الشيطان هذا، فإنما للوقوف أمام المؤامرة للتشويه المتعمد والمخطط لصورة الإسلام العظيمة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات