لم يكن بوسعي إخفاء سعادتي وأنا أخرج من بوابة مطار قرطاج الدولي في تونس، حيث وقعت عيناي على اسم الشارع الأول بعد المطار «شارع ياسر عرفات». هنا أقام الزعيم الراحل بعد خروجه وبعض قوات الثورة الفلسطينية من لبنان سنة 1982. تتدافع الذكريات وترن في المخيلة عبارة رونالد ريغان، حين قال إن أجمل مشهد رأته عيناه هو خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت.

هنا أيضاً، في ضاحية سيدي بوسعيد، تقع الفيلا التي اغتال الموساد فيها القائد الشهيد خليل الوزير «أبو جهاد» في إبريل 1988. وهنا تقع حمامات الشط حيث قصفت الطائرات الصهيونية مقر منظمة التحرير الفلسطينية في أكتوبر 1985، مخلّفة عشرات الشهداء والجرحى.. هنا كذلك اغتال الصهاينة القادة أبو إياد وأبو الهول وأبو فخري العمري.

لم أستطع إخفاء دهشتي وأنا أتجول في شارع الحبيب بورقيبة في تونس العاصمة؛ حميمية الشارع تسقط على الروح كما رذاذ المطر، المقاهي الصغيرة ترسم تآلفاً سيمفونياً مدهشاً مع خضرة الأشجار على جانب الشارع، بائعو العطور يقتربون بابتسامة دافئة يعرضون ما لديهم، وأحد محلات بيع الأشرطة يتباهى بأنه يمتلك مجموعة كبيرة من حفلات الراحل الشيخ إمام في تونس. تحدثت ومن معي في كل شيء إلا في احتمال أن تنبثق من رائحة الياسمين هذه، انتفاضة تطيح النظام السياسي الذي كان يبدو متيناً وبلا أية بوادر تمرّد أو ثورة.

تعزز الانطباع أكثر ونحن نقرأ يافطة يتجاوز عرضها ستة أمتار، كتب عليها أنصار الحزب الذي كان حاكماً «شكراً سيادة الرئيس لقبولكم الترشّح لولاية جديدة». لم يدرك كاتبو اليافطة أن بضعة أشهر فحسب تفصل بين الشكر والفرار، وأن السقف الذي اختبأ تحته المنتفعون لم يكن سوى نسيج عنكبوت تمزق في أقل من شهر.

كان علينا ونحن نتجول بين آثار مدينة قرطاج ونتصفّح الكتابات على الحجارة التاريخية، أن نستلهم من متتالية الحضارات التي حكمت وذهبت، درساً في «الرّماد والجمر». وإذ لم يكن بوسعنا استلهام الدرس، جاء من هو أولى بهضم الحقيقة على مرارتها، والتي تقدم نفسها على شكل سؤال: كم صمدت حكومة حركة النهضة أمام الغضب الذي بدأ يتجدّد؟

 كان عليها أن تتعلّم درسين وفعلت؛ درس الفرار ودرس الهروب للأمام الذي مارسته شقيقتها الإخوانية في مصر. تلك عملت لنفسها ولبقائها في الحكم فأغضبت الشعب الذي أشعل المرجل مجدداً في 30 يونيو، وهذه عملت لنفسها لكنّها تجنبّت غضب الشعب وسلّمت المفاتيح.