نقترب من نهاية أربع سنوات على ما سمي، اقتباساً من بلاد التشيك، «ربيعاً عربياً». فترة أكثر من كافية للمراجعة والتقييم، لمن يرغب ويحرص، انطلاقاً من منهجية وطنية وقومية قائمة على علم السياسة، وبعيداً عن معادلة «مع أو ضد» المضلّلة والخبيثة والمتخلّفة. فمن يدعي الحرص على البلاد والعباد، لا ينبغي أن يغمض عينيه عن تفشي مظاهر البؤس والخراب والتفكك، وهي تهديد لمستقبل جيل أو أجيال قادمة، لأن الحاضر هو الأساسات التي تنهض فوقها صروح المستقبل.

لكن هناك من يصر على إغماض عينيه وأعين الناس عن الحقائق الواقعية، مختبئاً خلف إصبعه كما يختبئ وراء شعارات من نوع «مرحلة انتقالية». ولكي توضع الأمور في نصابها، ينبغي ألا نتجاهل حقيقة مرور ثورات التغيير تاريخياً بمراحل انتقالية.

ففي الثورات الوطنية كما في ثورات التغيير الديمقراطي، نجد أنها كلها مرّت بمراحل انتقالية. لكن ثمّة شروطاً تمنح المراحل انتقاليتها، وهي الوجه الآخر لشروط الثورات، التي تقيم فاصلاً نوعياً بين الثورة والفوضى، بين العمل المنظم والعشوائية، بين منهج يراعي الظروف الخاصة ومنهج يستورد النماذج ويسقطها بالمظلات.

لكي تكون المراحل انتقالية فعلاً، فإنها تتطلب وجود قيادة واعية تقرأ ظروف شعبها جيداً، ولديها برنامج فكري وسياسي واقتصادي واجتماعي بديل للواقع السيئ المراد تغييره، قيادة خالية من عيوب النظم القائمة، وتعرف مع من تتحالف ومع من تتصارع، وتستطيع اشتقاق الوسائل النضالية الملائمة لكل مرحلة ولموازين القوى، وتتقن فن استنباط التكتيك الخادم للاستراتيجية، وتفهم تراتبية الشعارات من المطلبية اليومية إلى السياسية، مروراً بالاستنكارية والتعبوية.

ولتجنّب اللبس والتضليل، علينا إدراك أنه ليست هناك مرحلة انتقالية مفتوحة، كما أن من شروط انتقالية المرحلة أن يلمس الناس حدوث تغيّر إيجابي على حياتهم، وفي اتجاه أهداف معلنة ومعروفة مسبقاً ضمن البرنامج الثوري البديل.

 وعندما تغيب هذه الشروط تكون النتائج المباشرة للحراك العشوائي، أن الدول هي التي تسقط وليست الأنظمة، وأن النسيج الاجتماعي يتهشّم بدل أن توحّده الأهداف والأحلام، وأن القوى الخارجية تجد نوافذ وأبواباً مشرعة للتدخل وصب الزيت على نيران التناقضات الداخلية.

ولأن العوامل والشروط الحقيقية والنضج المطلوب غائبة عن الشارع العربي، نرى ما وصلت إليه من فوضى وشلالات دماء وضبابية في المسار، ذلك أن الهدم الإيجابي هو الذي يسوي الأرض للبناء الجديد، وليس الذي يقطع الشجرة من أجل الثمرة.