فن الزعيق!

ت + ت - الحجم الطبيعي

الفنون جزء لا يتجزأ من الثقافات المختلفة في كل المجتمعات في العالم، وقد استخدمت كرسالة تحمل معاني كثيرة، وتناقش القضايا بشتى أشكالها، وقد دخلت ضمن النطاق الاجتماعي الذي يحتوي القيم المجتمعية ويحاور الظواهر الاجتماعية، ويطرح مفاهيم وأفكاراً يحاول إيصالها لأذهان كافة شرائح المجتمع.

وفن الغناء الذي يتكون من ثلاثة عناصر أساسية هي الكلمة والصوت واللحن، لاقى القبول من مجتمعنا الإماراتي منذ تكوينه، وشهدت الأجيال السالفة فناً راقياً يحاكي متطلباتها ويرسم أمانيها، عبر حناجر النخبة من رواد فن الغناء الإماراتي، ولكن كان ذلك منذ زمن فات، وكنت أتمنى أن لا يتراجع ذلك الفن عن مستوى الرقي والتمسك بقيمنا وعاداتنا وتقاليد مجتمعنا المحافظ.

لقد تمدد فن الغناء في مفاصل ثقافتنا، وأجيالنا السابقة والمعاصرة تشهد على ذلك، ومع التحولات الاجتماعية ومواكبة الغناء للتغيير الذي طرأ على تطور الدولة وانفتاحها نحو العالم، أصيبت الأغنية الإماراتية بهزة سلبية على طابعها الذي يمثل الهوية الوطنية الخالصة، باعتباره مرآة للمجتمع، يعبر عن الثقافة الإمارتية ويعكس المشاعر الإنسانية والتحولات التاريخية والقيم والموروثات، وبلا شك يخاطب الإنسان الإماراتي.

الميزة في الغناء تعرضت للانسلاخ عن القيم الفكرية، وتفاقم الأمر وخرج عن الصورة المألوفة في أذهاننا عن نقاوة فن غنائنا المتميز، ولهذا لا يصح أن نظل متفرجين ومصفقين لمدرج الهبوط الغنائي، من حناجر تزعم الفن وتدعي الكفاءة، وهي في حقيقتها لا تجيد إلا الزعيق على ركيك الكلمات وغث الألحان، فقد سادت الفوضى هذا الفن وشوهته، وجعلته عاراً على من أراد امتهانه.

فالذائقة الفنية تكاد تنعدم لدينا، لأننا لم نستطع الحصول على مخرج سليم يريحنا من المهازل التي احتلت ميدان الأغنية الإماراتية، وأصبحت هي المطلوبة عند البعض والإقبال عليها يتصدر القوائم، ونحن لا نملك حيال هذا إلا القبول رغماً عنا، طالما أن هذا النوع من الغناء نسمعه بشكل منتظم على بعض قنواتنا التلفزيونية وإذاعاتنا المحلية، وفي المناسبات الخاصة والعامة.

الأغاني الهابطة تشهد ثورة غير مسبوقة في الاندلاع والازدياد بين فئة الشباب، حيث أصبح المغنون لا يبحثون إلا عن الظهور الصاروخي وكسب الشهرة، بطرق أعتبرها وحشية تدهس المكتسبات الغنائية الفريدة، ولا تكترث لأعمال من سبقوهم من المخضرمين، بل لا تستفيد من تجاربهم النقية في فن الغناء الراقي. ولهذا، ألا يحق لنا أن نتحسر ونغضب من عبث العابثين؟

طباعة Email