عَلَمٌ لا يغيب

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم أتمنَّ يوماً أن أجالس شخصاً أو أعاصر حياته، إلا باني دبي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، ولم ترسم كل الأماني من فراغات القصص أو خيالاتها، بل لكثرة ما يتردد على مسمعي من تبجيل وحب وافتخار وترحم لا متناهٍ لشخص ذاك الراحل العظيم، الذي كوى قلب دبي والإمارات برحيله ووداعه الأبدي.

ولهذا السبب دفعتني جوارحي للكتابة عن القليل من شخصية وإنجازات الوالد الراحل راشد بن سعيد، الذي لا يخفى على العالم بأسره ما أحدثه من فرادة اقتصادية وارتقاء سياسي مع شتى متغيرات الدولة ومراحلها التأسيسية، وكيف استطاع بدهائه ورجاحة عقله، توفير الرفاهية وتحقيقها لمواطنيه، الذي عاش لبناء بيئة مفعمة بالحياة والمثالية لراحتهم.

يتميز والدنا بسمات جلية، ويؤمن بقيمة الإنسان وبنائه، وينتهج مبدأ الشورى في سائر أموره، ويعمل للتآخي ودحر المظالم والخصومات، وكان يسعى لاحتواء عالمه بالسلام والمصافاة، فقد كان قريباً من شعبة محباً لهم رؤوفاً بهم، محققاً لآمالهم وملبياً لرغباتهم، رغم عسر الظروف واستعصائها.

لم يستسلم للواقع المر، بل كان حازماً ومثابراً يسعى لفرض بصمة نادرة تحدث نقلة كلية لمدينة دبي، من عالم الرمال إلى الصرح والتشييد. فقد كان ذا فكر تطلعي، عمل من أجله بإصرار حتى كانت النتيجة مبهرة وتكللت بالنجاح الفائق في كل مراحلها التشييدية، فزمام أمور مدينة دبي كان في يديه الكريمتين، وأتقن الحفاظ عليها وصانها ورباها على الطريقة التي نشأ عليها في كنف والديه؛ من أمانة وحكمة وحب صادق وطموح لا متناهٍ وأحلام مسترسلة وأفكار متجددة، حققت معجزة تاريخية وبشرية أخذت دبي من عالم الانطواء إلى عالم الازدهار والتخطيط والاستثمار على النطاق الأوسع.

كان رمزاً فريداً نادراً واستثنائياً، كان علماً وما زال يرفرف في سماء دبي.. كان أباً، أخاً وصديقاً لكل من حوله، كان قائداً فذاً سياسياً بحكمة مطلقة، كان متابعاً وحريصاً لكل زاوية في أرجاء مدينته، وقد كان سريع القرار وحاصداً للتميز والإبداع.. عشق بيئته فتسخرت وتذللت كل الصعاب، أخلص لشعبه فحصد الولاء والوئام، مد يده فانهالت بركات الأرزاق على عاتقه، كانت العلاقة الحميمة بين راشد وأرضه وأبنائه علاقة روحية خالصة، أثمرت علماً وثقافة وتاريخاً نستمد منه الحكم والمواعظ، فكانت القدرة الإلهية حاضرة بجعل ذاك الراحل العظيم بانياً لدبي وحاكمها، فنحن نقف ترحماً عليه وندعو له بواسع المغفرة والرحمة، فما أنجزه وتعبت عليه يداه، ها نحن الآن نشعر بالفخر والتباهي لما خلفه من أفكار عظام وبصمة مستقبلية واعية، نعيش في كنفها ونستلذ بطعم الانتصار ومسيرة الرفاه والاستقرار والبناء.

طباعة Email