ليس غريباً أو مفاجئاً أن تقف دول وشعوب أميركا اللاتينية في طليعة المواقف المناهضة للعدوان الصهيوني على غزة، فالشجرة الباسقة التي قد يصل عمرها إلى آلاف السنين، كانت ذات يوم بذرة. رئيس بوليفيا إيفو موراليس بتضامنه الوجداني والقولي والفعلي مع غزة، ومناهضته القوية للعدوان، جسّد المعاني النضالية والإنسانية والأخلاقية المنسجمة مع تاريخ القارة اللاتينية.

بوليفيا لم تأخذ من المناضل سيمون بوليفار اسمه فحسب، بل هي تنبض بنبضه، وتتنفّس بأنفاسه، وتستلهم إنسانيته وتجربته الثورية ونضاله من أجل الحرية، حيث قاد ثورة حرية ضد الاستعمار الإسباني للعديد من دول القارة اللاتينية. وعلى هذه السكّة سارت العجلة، فكان من قبيل الانسجام مع النفس والتاريخ، أن يقرّر زعيم بوليفيا إدراج الكيان الإسرائيلي على قائمة الدول الإرهابية، وأن يلغي معاهدة قديمة تقضي بالإعفاء المتبادل من التأشيرات.

موقف الدول اللاتينية غير مسبوق، من حيث شدّته وجذريته وارتباطه بخطوات عملية، فوصف إسرائيل بـ »الدولة الإرهابية«، والتنديد بجرائم الإبادة التي ترتكبها في حق الفلسطينيين، تردّد، ليس فقط على ألسنة متضامنين شعبيين، إنما على ألسنة قادة ومسؤولين في المستويات الرسمية. عدد من دول أميركا اللاتينية استدعت سفراءها من تل أبيب، وأطلقت تعبئة شعبية واسعة داعمة لفلسطين وضد العدوان على غزة، ورئيس الأوروغواي قرّر إقامة سفارة في رام الله.

هذه المواقف التي تعيد للأذهان مواقف الرئيس الفنزويلي السابق هوغو شافيز، لم تقتصر على ما يوصف باليسار الراديكالي في كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا وبوليفيا، فالرئيسة البرازيلية ديلما روسيف التي وصفت ما فعلته إسرائيل في غزة بـ »المجزرة«، استدعت سفير بلادها من تل أبيب، الأمر الذي أغضب إسرائيل التي خرجت عن حدود اللياقة الدبلوماسية، ووصفت رئيسة 300 مليون برازيلي بأنها »قزم دبلوماسي«، بل وصل الأمر بأحد المسؤولين الإسرائيليين حد الشماتة بخسارة البرازيل أمام ألمانيا في كأس العالم.

صحيح أن أميركا اللاتينية بعيدة جغرافياً عن منطقتنا، لكن السياسة والإعلام لم يعودا يعترفان بالجغرافيا، بعدما تقلّص العالم كثيراً بفعل ثورة المعرفة والمعلومات، لذلك يمكن اعتبار هذه القارة ذخراً استراتيجياً للقضايا العربية، بالنظر إلى وجود عدد من الدول الكبيرة والفاعلة فيها، مثل البرازيل وفنزويلا الفاعلتين في مجموعة »بريكس«، وهو محور يحسب حسابه في المعادلة الدولية.

بقي أن يحسن النظام الرسمي العربي التعامل مع هذه المعطيات، بما يخدم قضاياه، ويساعد في أن يكون العرب صانعين للحدث، بدل كونهم دائماً الحدث نفسه.