ها هم أبناء غزّة يعيدون كتابة المجد الفلسطيني، بدمائهم وصبرهم الأيوبي الجميل. براءة الأطفال تعانق أعدل قضية في الكون، وتكتب بالدم القاني ملحمة الصمود سطوراً بين أزقة المخيمات والبلدات والمدن، بعيداً عن منتجعات كامب ديفيد وواي بلانتيشن وأنابوليس وليل ممتد من مدريد إلى أوسلو. غزّة تغرق بالدم والدمار، والمجتمع الدولي يغطس في الصمت والدّوار.
أطفال غزة رغم القصف واشتعال صراخهم متداخلاً مع ضجيج الطائرات القاتلة وانفجارات صواريخها العمياء، يقولون: شكراً لمن يقف معنا بما يستطيع.. شكراً لمن يبلسم جراحنا بما ملكت يداه.. شكراً لمن يتضامن بالقلب والوجدان والحس الإنساني النبيل، مع أنامل غضّة تلاطم المخرز الصهيوني.
أطفال غزة نوح الحمام في الدوح ودمع يسيل على خد البنفسج.. ورد تجرحه بحّة الحناجر الصادحة بالجفرا والدلعونا وزريف الطول، والسامية على الجرح والألم.
صراخهم المخنوق عاتب على أشقّاء يتفرّجون على ذبحهم، ويزيدون على دمائهم مزيداً من الدماء في شوارع العرب. صوتهم المدفون في الركام يشفق على أمة المليار ونصف المليار، ويخشى عليها من غضب تاريخ ينهكه الخجل من انتساب ذابلي القامات إليه، ويرهقه السأم من منافقي الشاشات الذين يفتون بالموت في غير مكانه وزمانه، ويخرسون حين يشاهدون موت الأطفال في غزة.
غزة تكتب اليوم تاريخاً جديداً أكبر من الحركات والأحزاب وتجّار الحروب والدماء وخطباء الفتن، وأكبر من راهنية اللحظة ومحدودية الشاشات، وضيق أفق بعض المحلّلين ونظّاراتهم المفصّلة لعيون غير عيونهم. غزة تذبح يا سادة المنابر والشاشات.. هذه ليست حرباً على حزب أو حركة، كما يكذب الإسرائيليون والمتأسرلون. نصف الشهداء أطفال ونساء، فإلى أي حزب ينتمي هؤلاء!
لكن عين الرصد الصهيونية ترى قنّينة الحليب في يدي الرضيع صاروخاً، وقطعة الخبز قنبلة، واللعبة دبابة أو طائرة.
عين ترى عائلة ثلاثة أرباعها أطفال حزباً، ومرتادي مقهى يشاهدون مباراة كرة قدم وحدة صواريخ، وترى المستشفى قاعدة عسكرية، وجمعية المعاقين جيشاً، والمدرسة وزارة دفاع، والمنزل السكني غرفة عمليات، والكرسي المتحرّك ناقلة جند.
غزة بلا كهرباء، تضيئها التماعات القذائف والصواريخ الإسرائيلية. غزة لا تنام لكنّها تحاول إيقاظ النائمين من أمتها على وسادة الاستكانة، على بعد نصف حلم من مفاعل ديمونا.. تناجيهم بكلمات الشاعر عبدالرحمن الأبنودي: استيقظي يا أمتي من قبل أن تتمزقي.. من قبل أن تتشتتي في ظلمة الدرب الشقي. فلتنظري.. كل الشعوب توحدت إلا أنا.. كل الجهود تكاتفت إلا أنا.. أنا الذي أُدمى أنا.. أنا الذي أُسبى أنا.. ودائماً نقول كنا.