أحياناً يلزم أن نسمع ما تقول لكي نربطه بما تفعل، ليس على قاعدة مطابقة القول للفعل، إنما من باب البحث عن علاقة الفعل بغلافه اللغوي. يلزم هذا في السياسة أكثر من أي شيء آخر، وينطبق على إسرائيل كغيرها، لكن على نحو أكثر تعبيراً. أورد هذه المقدّمة وفي الخلفية إطلاق إسرائيل اسم »الجرف الصامد« على عمليتها العدوانية ضد الشعب الفلسطيني في غزة.

هذا الاسم يحمل إحدى دلالتين أو كلتيهما معاً، وهما الاهتزاز والتضليل. القوي يتحدث عن هجوم وإنجاز، وفي هذا الاسم تركيب لكلمتي »الجرف« التي توحي بالضعف، و»الصامد« التي توحي بالصلابة، لكنّها تصدر عن الطرف الذي يتعرض للهجوم وهو يدافع ويحاول رفع المعنويات الذاتية.

في الدلالة الثانية، استنساخ لمسمى التسمية التي تطلقها إسرائيل على جيشها، فهو الوحيد في العالم الذي يحمل اسم »جيش الدفاع«، رغم أن سيرته حافلة بالعدوان في فلسطين وخارج حدود فلسطين، إضافة للعمليات العدوانية السرية أو شبه السرية، وإذا كان هذا هو الحال، فما الذي كان سيفعله لو كان اسمه »جيش الهجوم«!

في جوهر العدوانية الإسرائيلية تظهر الأهداف الحقيقية، وهي أهداف مرتبطة بالمشروع الصهيوني الممتد منذ المؤتمر الصهيوني الأول قبل نحو مائة وسبعة عشر عاما، الذي أقر إقامة دولة لليهود على أنقاض الشعب الفلسطيني. إسرائيل تعبر عن نفسها ككيان مغتصب، حبله السري هو العدوان والتوسّع تحت مسمى »الردع«، وهو المعنى السياسي المرادف لإحساس السارق بالقلق الدائم.

بالمعنى الأمني والعسكري، تدرك إسرائيل أنها لن تحقق أي هدف ولن تخرج بأي إنجاز ذي جدوى من هذا العدوان، وهي أدركت من النسخ السابقة أنها فشلت في كل مرة في منع سقوط الصواريخ على مستوطناتها، وأن القبة الحديدية التي كلّفتها مليارات الدولارات لم يتجاوز نجاحها العشرة بالمائة، وأدركت أنه بعد كل عدوان تصبح المقاومة أكثر قوة عدداً وعتاداً وإرادة، وأن كل عدوان يأخذ بعض الوقت ثم ينتهي باتفاق تهدئة، من دون أن يرفع الفلسطينيون راية بيضاء أو تتغيّر موازين القوى، لكن مع مزيد من تآكل ما يسمى الهيبة وقوة الردع.

هذا العدوان لن يشذ ولن يخرج عن هذا المنحى الصاعد في روح التحدي الفلسطيني. لكن على الفلسطينيين جميعاً أن يحذروا هذه المرة، لأن إسرائيل من أجل وقف العدوان، وإلى جانب وقف إطلاق الصواريخ، ستشترط إنهاء المصالحة وتفكيك حكومة التوافق، انسجاماً مع حالة الفتن الداخلية التي تفتك ببعض الشعوب العربية.