قبل بضعة أيام تجاوز عدد قتلى الموت العبثي في العراق عتبة الألف قتيل. هذا خلال يونيو الحالي فحسب، لكن الموت المتنقل حدث يومي في بلاد الرافدين، وأشده فتكاً في بغداد، مدينة السلام. أسهل طرق البحث وأقصرها أن يكيل كل طرف الاتهامات والشتائم للطرف الآخر، لكن لا هكذا بحث يجدي نفعاً، ولا الشتائم توقف قافلة. منذ آلاف السنين لم ينته صراع أو قتال يتجاوز الأفراد إلى الجماعات، بتمكن جماعة من إبادة الأخرى، مهما كانت الأولى كبيرة والثانية صغيرة. القتال يبدأ ويتوقف تبعاً لتوفّر من يصب الزيت على النار.

في المنحى العام لتاريخ الصراعات، يخفي أمراء الحرب عن تابعيهم الأسباب الحقيقية للحروب الداخلية، ذلك أن إعلان الأسباب الحقيقية سيجرّد القتال من جنوده الذين عادة ما يتعرّضون لغسيل دماغ، عنوانه أنهم يدافعون عن "مصالح عليا" أو وجود مهدّد.

أحياناً يتحوّل البحث عن الأسباب شبيهاً بالتهمة الجاهزة لسياسي نختلف معه بأن "نلعن أهله" أو نسب "أمه"، وربما تنسج حول هذه التهمة شبكة من الخلفيات المحبوكة لأصل الوالدين. فضلاً عن سطحية هذه المعالجة، فإنها تتكئ على موروث الشخصنة لدى شعوبنا وامتلاء ثقافتها بتعليق أكاليل الغار على صدر البطل الملهم، وتجاهل الفعل الجماعي في النجاحات والإخفاقات.

الأسباب الحقيقية للحروب يعرفها أمراؤها ومشعلوها، وجوقة من المنتفعين وبعض حملة الأقلام والألسن وتجار الدم، وهؤلاء مسارهم تطوّر من التحريض بالشعر مقابل "املأ فمه ذهباً"، مروراً بالإعلام المكتوب ثم المسموع والمرئي، وليس انتهاء بالفضائيات وعهد الشبكات.

عندما يقتل الأخ أخاه، ليس مجدياً أن نبحث عن السبب خارج البيت حتى لو وجد، وهو موجود في الأغلب لكن فاعليته مشروطة باستجابة داخلية يغذّيها الجهل أو المطواعية الأداتية الموروثة، والثقافة القطيعية، مهما تزيّنت بالعناوين وتسربلت بمنظومات القيم والنظريات. لهذا فإن دور الخارج مطلوب للمساعدة في المعالجة الداخلية، لأن ما هو خارج الدائرة ليس تحت التحكّم والسيطرة، والحائط المنخفض يقفز عنه الآخرون بسهولة.

في العراق حكومة سيئة ورئيس حكومة أسوأ، وهياكل وأدوات أشد سوءاً. لكن الأسوأ هو نظام المحاصصة الذي أنشأه الاحتلال، وتتفرّع منه بذور المذهبية المرشوشة بعناية، بحيث يصبح الحل متعذّراً حتى لو أزيلت الأسباب المفترضة ممثّلة بالأشخاص والكتل، فيما هي في الحقيقة أدوات دفاع عن ثلة تحيط بالكعكة. وإذا أراد العراقيون الخروج من هذا القمقم المتفجّر، فليس لهم سوى مسار واحد ووحيد، "المواطنة بديلاً للطائفية".