وأنت تقرأ هذه السطور، يكون إضراب المعتقلين الإداريين الفلسطينيبن عن الطعام قد دخل يومه الخامس والخمسين. هل تستطيع أن تتخيّل معنى هذا الكلام؟ ليس كل شيء يمكن تخيّله، بل إن هناك بعض الحالات والأوضاع يتعذّر تكوين تصوّر واضح عنها، فيما يصل التعذّر درجة المطلق. هل يمكن لأحد أن يتقمّص حالة الموت؟ تصوّر الإضراب عن الطعام ينطوي على تشابه يقترب من التطابق.
خمسة وخمسون يوماً بلا طعام، هذه تجربة لا يفهمها جيّداً إلا من خاضها لسبعة أيام على الأقل، من دون أن يكون على علم مسبق بموعد فك الإضراب. البعض يتساءل عن دور الملح والماء في معركة الأمعاء الخاوية، وهما بالمناسبة لا يقفان إطلاقاً في جبهة مضادة مع الجوع، فالقليل من الملح يمنع التعفن في الفم والجهاز الهضمي، كما أنه يسهّل شرب الماء الذي يصبح صعباً في غياب الطعام.
إضراب الأسرى عن الطعام يبلغ ذروة الخطورة مع اقترابه من شواطئ الستين يوماً، ويكفي للتدليل على هذه الخطورة أن تعرف أن هؤلاء المضربين عن الطعام أعلنوا في رسالة مسرّبة من خلف قضبان السجن، عن التبرع بما يظل سليماً من أعضائهم في حال استشهادهم.
قد تكون في خلفية هذا الموقف رغبة في تحفيز الفلسطينيين على رفع منسوب التضامن مع إضراب الأسرى، لكنّه بالتأكيد لا يعكس حالة من الإحباط واليأس لدى جنرالات الصبر، لأن مثل هذا الشعور إذا تسلل إلى جبهة الروح، سيقود إلى الهزيمة في معركة الجوع، وليس لموقف يضع الأسرى فيه أنفسهم كشهيد مع وقف التنفيذ. إسرائيل التي تدير ظهرها لكل القوانين والأعراف الدولية والحد الأدنى من المشاعر الإنسانية، لن تنزع ثوبها العنصري .
وهي لا تكترث لمعاناة الأسرى واحتمالات تساقطهم شهداء، بل إن بعض عتاة الصهاينة انشؤوا صفحة على الفيسبوك تطالب بقتل فلسطيني في كل ساعة، بذريعة اختطاف ثلاثة جنود إسرائيليين في منطقة الخليل. وليس غريباً أن تحصل على خمسة عشر ألف معجب صهيوني بعد مرور بضع ساعات على إطلاقها، بحيث لا تضاهيها أية صفحة عربية أو إسلامية.
إلا إذا كانت حلبات للشتم والردح وميداناً لمعارك الفتن الطائفية والعرقية. وفي انتظار الشهيد الأول من الأسرى، تفتح أبواب الجهاد في كل الأماكن والجهات ما عدا فلسطين، وتصدح الفضائيات بالأصوات النشاز غناء وفتاوى، فيما تبقى فلسطين «خارج التغطية».