يبدو أن زعماء الدول الصناعية السبع الكبرى، الذين استبعدوا نظيرهم الروسي فلاديمير بوتين من اجتماعهم في بروكسيل قبل بضعة أيام، ظلّوا أسرى الدوران في الحلقة المفرغة ذاتها في التعامل مع روسيا. المجموعة كانت ثُمانية منذ أيام بوريس يلتسين، وها هي تعود سُباعية وتنقل اجتماعها الذي كان مقرراً في مدينة سوتشي الروسيّة إلى بروكسيل، «بسبب» غضب الغرب من تدخّل روسيا في الأزمة الأوكرانية واستعادتها شبه جزيرة القرم.

الغضب وحده لا يصنع سياسة، خاصة إذا كان الغاضبون يعلمون حدود فعلهم وسقف إمكاناتهم في التعاطي مع «المغضوب عليهم». وإلا لما كان الفعل الروسي إجرائياً وحركياً في أكثر من مكان، فيما بقي رد الفعل الغربي يحمل التهديد والتراجع عنه في نفس اليوم، إذ إن قادة الغرب وزعماءه وخبراءه ليسوا من السذاجة بحيث لا يدركون أن موسكو تعرف مسبقاً ردود فعل دولهم، ومدى قدرتها على مواجهة السياسة الروسية المتدحرجة، مع مستوى تحكّم عال في مسار استعادة القطبية الدولية.

لولا هذا الإدراك لما ناقض زعماء الغرب أنفسهم خلال ثلاثة أيام، حين استبعدوا بوتين من لقاء بروكسيل ثم تسابقوا على اللقاء به، فرادى، في احتفالات ذكرى حملة النورماندي الواقعة شمال فرنسا، وكأن زعماء الغرب تملّكهم بعض الخجل من التاريخ، واستبدّت بهم الخشية من أن يخرج عليهم قائد روسي ليقول لهم إن أسلافهم حرّكوا تلك الحملة في السادس من يونيو 1944 بطلب من الاتحاد السوفييتي، حيث كانت الحرب تقترب من نهاياتها، بعد أن تحمّل السوفييت عبئها الأكبر وكان لهم نصيب الأسد من الخسائر، ولذلك فإن هذا التاريخ الحديث يفرض على الجميع الاعتراف بأن للاتحاد السوفييتي فضلاً وازناً، بل حصرياً في حماية الإنسانية من الوحش النازي.

مع ذلك وجد بوتين نفسه مضطراً للاستشهاد بالحاضر الأشد سطوعاً، والتذكير «إن نفعت الذكرى» بأن الساعين إلى عزل موسكو هم أولاً غير قادرين، وثانياً غير منسجمين مع أنفسهم، لذلك شعر بأنه يستند إلى جبل وقائع حين ذكّر من يهمّه الأمر بأن الولايات المتحدة هي الأكثر عدائية، وهي التي ترسل جنودها إلى كل مكان في العالم.

ومهما يكن، فإن توضيح الواضح يبدو فيه بعض السذاجة أو كلّها، وفي هذه الحالة يكون الخروج عن المألوف أكثر فاعلية في الرد على ما هو مألوف، ومن الطبيعي إذن أن يبعث بوتين لمن اجتمعوا في بروكسيل من دونه، كلمتين فحسب «طعاماً شهياً».