تبرير ثقافي

ما تكشف عنه دور نخب الثقافة، بمجمل أدواتهم وتفرع فنونهم ومذاهبهم، أنه كان قاصراً عن أدنى مساهمة فاعلة في أي من جوانب الحياة، سواء السياسية أو الاجتماعية، أو حتى الثقافية ذاتها.

وليس أبرع من المثقفين في وزن التبريرات المقنعة، لتغطية فشلهم أولاً، والتخفيف من وطأة الفشل في المجتمعات ثانياً، ليصبح التبرير هو العقلية الجمعية، والثقافة السائدة، ويجد كل من لا يحمل هماً ولا يطيق ذنباً تجاه المسؤولية العامة، مشجباً جاهزاً في الآخر لتعليق الأخطاء عليه.

وإذا كانت للمثقف الملتزم مأثرة في التزامه تجاه قضايا مجتمعه، فإن هذه المأثرة تزول أمام مثلبة الانطواء في أبراج عزل النخبوي عن العام، والاستمرار على لسان يشيد للمثقف قصراً من المزايا المجتمعية، وحصناً من النقد، من دون أن يقدم هذا المثقف فهماً، يحدث تغييراً حقيقياً ذا قيمة في الحياة العامة.

وأول لسان الملتزم ممن حازوا الاعتراف والإجازة المجتمعية لدخول قصور النخب الثقافية، تعليق الفشل على مشجب المجتمع ذاته، عبر اتهامه في أغلبيته بعدم الاهتمام بالجاد من الثقافة، والتوجه نحو المنتج الثقافي الاستهلاكي وربما المبتذل، لتصبح مبررات حتى الملتزم من المثقفين صورة نمطية تطبع المجتمع، لا يرى المجتمع ذاته إلا فيها، ولا يعرف عن نفسه سواها.

وفي ظل ذلك القصور للمثقف، إضافة إلى قصوره عن مواكبة ثورات الإعلام الجماهيري وتقنيات التواصل، أصبحت الفنون والآداب والثقافة بصورة عامة، أداة تنحصر في التعبير عن ذات صاحبها، بلسان ينأى قصداً عن الإفهام ويهدف إلى الغموض، وإذا خرجت إلى الناس لا تتعدى أن تكون أداة تفريغ كبت فحسب، لا أداة بناء.

وإذا كانت الحقيقة كذلك، فإن ما ترك المجتمعات فريسة للأنماط الاستهلاكية من الفنون والآداب، هو ما أصاب المثقف الملتزم في نفسه من اعتقاد بأنه يحتكر التثقيف والتغيير وأدواتهما، وأن استمرار هذا الاحتكار الذي شيدته وتحميه اللغة المتعالية عدوة البيان والوضوح، هو الكفيل بحماية المزايا الاجتماعية لنخب الثقافة.

في حين أن تطلعات المجتمعات واحتياجاتها تجاوزت هذا النمط من نخب الثقافة، وتركت المثقف متأخراً كثيراً عن مجتمعه.

السخرية المبتذلة، في مثال على نمط استهلاكي، لا تقف عند تفريغ الكبت، بل تعمل، أكثر من ذلك، على تفريغ الحقائق من مضامينها، تحت راية الأدب والفن، في أوسع الوسائل انتشاراً، سواء عبر الفضائيات بالبرامج الساخرة، أو الصحف بالمقالات الساخرة.

ولكن الأكثر إثارة للسخرية، هو الضعف الذي يقف فيه المثقف الملتزم أمام هذا الانتشار الواسع للاستهلاكي، وإن كانت سخرية مرة، فهي تجعل أولوية التغيير على مستوى النخب الثقافية، متقدمة على كل أولوية سواها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات