في انتظار المعجزة

تحت ذريعة الفتنة النائمة وكَيْل اللعنات لمن يوقظها، وتحت ذرائع كثيرة من أمور حوّرت مسبقاً ليراد بها باطل ولاستثمارها في تعزيز ثقافة جمعية تتواطأ على السكوت عن جميع المشكلات، بل والمهلكات، تحت وطأة ذلك نهضت الفتن جمعاء الآن تتكالب وتفتك.

هذه المهلكات التي كان من الأنجع والأسهل درء مخاطرها والوقاية منها منذ البداية، تركت حممها تغلي تحت التراب، دفعاً بحجة الحفاظ على الصورة الجميلة على السطح، وهي صورة واهمة لدرجة أن الكلام كان كافياً ليجرّحها، لذلك تم منعه. وهي حجة واهية لأن الجميع كان يغذي الفرقة والفتنة بقصد أو دون قصد، بالفعل أو بالسكوت عن الفعل.

والمعتاد، أننا لا نستيقظ إلا حين تستشري الأزمات، وسواء في ذلك النخب السياسية والثقافية أو حتى الشعوب، مع اختلاف ردات الفعل والاستثمارات التي يطمح إليها كل جانب من استثمار هذه الأزمات وتداعياتها عليه.

ومن المؤكد أن يقظة متأخرة أمام أزمة تجذرت واشتد ساقها، لن تحمل في جعبتها من الحلول أكثر من الكلام، الذي وإن كان مجدياً في حوار هادف وصادق في البداية، لم يعد الآن أكثر من حفظ لماء الوجه، أو تنصلاً من أصل الأزمة، أو صباً لمزيد من الزيت على نارها.

فما يقوم به من يمتلكون هذا الحق الآن، ليس أكثر من نبش للتاريخ لإثبات صورة جميلة له والتذكير بماض بعيد سعيد قائم على التعايش، في وقت لا يحمل اليوم وأمس القريب سوى صور الدم والحقد المتبادل والكراهية الدفينة، بما لا يبشر إلا بمستقبل ينثر مزيداً من الخراب في النفوس والضمائر قبل خراب الأرض، وينشر حِراباً يبتعد أكثر بأي قدرة على التسامح.

فمن يملكون حق الكلام من نخب الثقافة والإعلام، لا يملكون من الكلام غير زينته التي لا حقيقة في جوهرها، وكفاهم غياب الجرأة وحرية العقل قبل اللسان والقلم، عن تقديم أي تشخيص استراتيجي عدا عن حلول لا يمكن أن تكون إلا بعد تشخيص ناجع، فاستمرت التحليلات الاستراتيجية التي تبنى عليها السياسات مستوردة جاهزة بالكامل، أو تبنى وفق قوالب ومفاهيم مستوردة.

 ومن جانب ابتعدت نخب الثقافة عن أن تكون جامعة للكلمة بسبب انشغالها بالكلام الأجوف أو لغياب الثقة باستقلال أهدافها.

أما الرموز الجامعة للكلمة سواء من نخب السياسة أو الدين، فهي كذلك لا تقدم الآن غير الكلام، ولكنه الكلام الذي يشحن مزيداً من الفرقة ويشحذ أكثر سيوف البغضاء.

والمحور الثالث في المعادلة هي الشعوب التي تظهر عادة على أنها الضحية، لتترك لها بيئة التشاؤم، البحث عن جامع للكلمة غير موجود، والاكتفاء بانتظاره في المعجزات، بدل النهوض والانتصار للمعجزة بقلب المعادلة لتدين الملوك بدين شعوبها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات