السلام سمة إنسانية تغتالها آلة صناع الموت، الذين يقتاتون من دماء الأبرياء ولا يأبهون لجثث الأطفال ودموع الأمهات وآهات العجزة، ويستمرون في حرق اليابس والأخضر دون أن يرمش لهم جفن.

وعندما يغيب صوت الضمير وتسيطر ثقافة الربح والخسارة في أي بلد من البلدان، فإنه يتحول إلى دولة فاشلة بامتياز. ولأن مسؤولية الأمن والسلم تقع على عاتق الحكومات دون غيرها، فإن الحال ينقلب رأساً على عقب وتسود الفوضى، عندما تعمد تلك الحكومات إلى استخدام تكتيك الصراع القبلي لإحداث توازن ما في منطقة ما، ظناً منها أن ذلك سيحافظ على بقائها لفترة أطول.

وينطبق هذا الواقع تماماً على منطقتي دارفور وجبال النوبة في السودان الذي يعيش تمزقاً واقتتالاً شرساً، ولم يقف تأثير الحرب عند حدود مناطق العمليات فقط، بل امتد ليشمل كل مدن وقرى البلاد في شكل دمار اقتصادي واجتماعي وسياسي لم يسبق له مثيل.

وتكمن الخطورة في غياب البعد الاستراتيجي اللازم لإيقاف الحرب في منطقتين تعادل مساحة كل منهما مساحة بلد بأكمله. فعلى المستوى المحلي تتعامل الجهات الرسمية مع المشكلة بمنطق أجوف، يقوم على سياسة فرق تسد، وهو ما برز من خلال الاتفاقات الجزئية مع مجموعات لم يكن دافعها سوى الحصول على مناصب وامتيازات في نطاق ضيق.

وهذا يوضح بجلاء أسباب الفشل في معالجة الأزمة، بدليل أن شيئاً لم يتغير على الأرض، بل ازداد القتال ضراوة وتضاعفت أعداد المشردين واللاجئين، رغم احتفالات السلام المغشوشة التي نقلتها كاميرات الإعلام، وخرج بعض البسطاء في السودان مهللين لها.

 أما على المستوى الدولي فإن الأمر أكثر سوءاً، حيث يبدو واضحاً أن قضية هتك أرواح عشرات الآلاف من الأبرياء في دارفور وجبال النوبة، لا تجد الاهتمام اللازم ولا تدخل في أجندة الملتقيات العالمية إلا بشكل خجول جداً. كما أن تقاعس محكمة العدل الدولية عن ملاحقة مرتكبي تلك الجرائم الفظيعة، جعل الكل يتمادى في أعماله الوحشية.

هذه المأساة غير المسبوقة تجعل المرء يتساءل كثيراً عن جدوى وجود المؤسسات الدولية والقانون الدولي، وعن شعارات التآلف ومناصرة السلام والتسامح التي تمتلئ بها صفحات الصحف العالمية والشبكة العنكبوتية.

واقع الحال هناك يقول إن الأمر يمضي نحو الأسوأ، وتنام الأم مودّعة رضيعها لأنها تتوقع ألا تراه في الصباح، وعندما تصحو وهو في معيتها فإنها تفكر في كيفية توفير قوت يقضي به يومه. كل هذا ودخان الطمع السياسي والفشل المستمر والتقاعس الدولي، يحجب الرؤية عن حمائم السلام التي تغرد بصوت مبحوح وتطير بلا خريطة طريق، لأن الكل يتربص بها.