تقنية الحرية

نُظم كثيرة من تلك التي أسس لسلطتها قمع التعبير، وستر المعرفة، وتقييد نظر الرأي العام لما تراه هي فقط، لا تزال تكابر بمحاولة الإبقاء على احتكارها هذه السلطة، رغم مهزلة الاستمرار على ذلك، بعد أن أسقطت ثورة التقنية الجديدة خادمة التواصل بين الناس، كل إمكانية لذلك.

السباق المحموم بين صناع هذه التقنية، أنتج زهداً في الكلفة إضافة إلى السهولة والسرعة في الاستخدام، الأمر الذي ساوى بين أكثر الأفراد فقراً وأقلهم حظاً في التعليم من جهة، وبين الدول ومؤسسات حكمها من جهة ثانية، سواء في امتلاك التقنية أو استثمارها.

وأن تكون قدرة كل فرد على امتلاك هذه التقنية، مثار جدل بين منافع ومضار، أمر فيه من الحق الكثير، غير أنه لا نفع للنظم في جدل كهذا حول ثورة تتسارع إلى الأمام وليس في طاقتها إبطاؤها، ولا حق لها حتى في التذمر من فوضاها، وهي التي كرست مدى سني حكمها لغياب حق التعبير وثقافته وآدابه.

الحرية التي تمنحها هذه التقنية لكل فرد على وجه الأرض بالسواء، قد تعيش في عالمنا العربي فترة ليست بالقصيرة، فوضاها المبررة وهي منفلتة من سطوة ثقافة القمع التي كرست طويلاً، لتعبر عن ذاتها بوضوح فج، من ممارسات الأفراد للقمع ضد بعضهم بعضاً على العلن في شبكات التواصل الاجتماعي، أو غياب الموضوعية والدقة، وكذلك التصديق الساذج لكل ما ينشر وتناقله.

ولكنها، أي الحرية، أولوية لا سابق عليها، لتأسيس ثقافة جديدة، تحفظ أدب الرأي والاختلاف، وتقيم وزن الصدق، وتعمم أخلاق النشر والتعبير، وهو الأمر الذي يجب أن يتجشم عناءه أهل الحكمة لا أهل الحُكم.

فما يطلبه أهل الحكم بقوانينهم، ليس تكريساً لآداب التعبير، وإنما قمع مفضوح أكثر هذه المرة، للإبقاء على احتكار المعرفة وقنواتها، وإخفاء الحقائق أو تزييفها، الأمر الذي انفلت من أيديهم تماماً، ولن يردعه سجن مدون هنا ولا إغلاق موقع إلكتروني هناك، فالحقائق كاملة أصبحت متاحة لمن يريد أن يراها.

أما أهل الحكمة من المثقفين، فليس عليهم أن يقفوا مذهولين بسرورهم أمام ثمرة الحرية التي منحت نفسها بنفسها عبر ثورة التقنية تلك، ليمتلكها الصغير الجاهل تماماً مثل الكبير العاقل، وسليم الإدراك مثل مريض الهوى، والمخلص مثل المحرض، وكذلك المحرض على الحق والمحرض على الباطل، فلا بد من مسؤولية تأخذ زمام الأمر، لتنشر ثقافة تحُدّ من المساوئ وتعظم الفوائد.

كل تقنية نشأت منذ ثورة الصناعة الأولى كان هذا طابعها؛ سيف ذو حدين، وفيها الغث والسمين، وكل تقنية وقفنا معها موقفنا ذاته مستوردين مستهلكين، لا تطال أيدينا منها سوى القشور، فهل سيكون موقفنا مع ثورة تقنية التواصل مختلفاً؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات