التفاوض بدماء الآخرين

التصريحات الصادرة عن الإدارة الأميركية أخيراً، وتحديداً على لسان وزير خارجتها جون كيري، عن تجنب الدخول مع الروس في مواجهة حول أوكرانيا على نمط الحرب الباردة، أمر مثير للضحك والسخرية، فما ينذر به العبث الأميركي الروسي، في إدارة المواجهة بينهما، ليس أقل من صراع كارثي يلف العالم من دون أن يتوقف.

الولايات المتحدة والعقلية التي تديرها بلوثة جنون من فقدان المزيد من أوراق تفردها في العالم، وروسيا العائدة بلوثة جنون المنافسة والبحث عن دور قديم سقط مع سقوط الاتحاد السوفييتي، قد تتفقان بدم بارد على تسمية جحيم الآخرين بالحرب الباردة، ما دامت أصابع الدولتين بعيدة عن النار التي حرقت وستحرق دولاً وشعوباً.

عقلية متوحشة وبدائية مغلفة بكذبة العالم المتحضر الزائفة، هي العقلية التي تتنافس الآن على إدارة العالم، والتنافس المحموم الآن بين الدولتين لا يسير إلا نحو خلق مزيد من الأزمات والصراعات الدموية، لاستثمارها على طاولة التفاوض التي لن تثمر أيضا إلا المزيد من الحروب الدامية بعد تعقد الملفات وتداخلها، من الملف الإيراني إلى السوري اللذين لم يشهدا أي انفراجات، وإلى الأوكراني حالياً، وملفات أخرى شرق الأرض وغربها، لا تنتظر إلا الوقت ورغبة أحد العابثيْن لإشعالها.

الخداع الذي يمارس باسم طاولة المفاوضات، أصبح مفضوحاً وهو يقاد من طرفين لا صالح لهما إلا تأجيج الصراعات وليست محاصرتها، ورغم ممارسة الولايات المتحدة لدورها بتزييف كبير يظهرها على أنها داعمة للعالم المتحضر ونشر الحقوق والحريات والسلام في العالم، إلا أن الغطاء انكشف تماماً عن هذه الدولة التي تلزم الآخرين بالحقوق من دون أن تلتزم هي بها، وتصدر تقارير الحريات التي تنتقد فيها الآخرين متجاهلة ذاتها وما تنشره من جرائم ضد الإنسانية حول العالم. أما روسيا فلا تستطيع ممارسة الدور ذاته الذي سبقتها إليه عدوتها، فهي تقف بوضوح فج مع أنظمة ارتكبت أبشع الجرائم الإنسانية في حق شعوبها مثل النظام السوري.

وعلى اختلاف الصورتين فالموقفان لا يختلفان، وعلى الزيف الواضح لتمثيلية طاولة المفاوضات التي ترعاها الدولتان، يظل هناك من يسارع إلى المشاركة فيها، ممن يضعون بيضهم في سلة أحد المعسكرين المتصارعين على مصالحهما بدماء الآخرين.

المشاركة في طاولة المفاوضات الأميركية الروسية، من أي طرف كان، أصبحت مساهمة بمعرفة مسبقة وإرادة في تكريس هيمنة إدارات إجرامية للعالم، لا تقيم وزناً للإنسان وسلامه وحقوقه ومصيره.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات