فتنة النبوءات

النبوءات ذات البعد الديني عن أحداث المستقبل، ليست وقفاً على دين دون الآخر، بل منحها التوافق في كثير منها بين الديانات الثلاث الكبرى، مصداقية أكبر وتكميلاً لتفاصيلها، خصوصا تلك التي تحكي أحداث نهاية الزمان.

وبعيداً عن مدى موثوقية تلك النبوءات في الدين الإسلامي ودرجة صحة أو تواتر ما ورد من حديث حولها، إلا أن إكمال ما غاب من تفاصيلها، وتحديداً ما تعلق بالزمان والمكان، كان على مدى فترات التاريخ مدخلاً لاستثمار كل من شاء أن يضفي شرعية على سلطته أو قضيته أو دعواه، ليفسر ويؤول بما يخدمه.

جهل الكثير من عموم الناس، من دون تحديد لمستوى ثقافي، بهذا الأمر، واحد من سببين لطواعية انقيادهم له إذا ما أشير إلى أنه من الدين، أما السبب الثاني، وهو الغالب في أيامنا، فهو موافقة هذا الأمر لأهواء الناس واصطفافاتهم المسبقة، وهو سبب كارثي أيضا قد يجعل الغالبية تتجاوز ما لا يمكن تجاوزه، سواء موثوقية نسبة النبوءات إلى الدين، أو مدى مقبولية تفسيراتها وتأويلاتها.

الاصطفاف المسبق، اليوم، في شيع تنزع إلى تطرف الرأي، وجد ضالته في هذه النبوءات التي لا تحمل تحديدات زمنية ومكانية ولا مسميات صريحة، ليفسر كما يشاء. بل وأكثر من ذلك، ليزج بنبوءات مبتدعة بلهاء لا تدخل إلا على سفيه.

ما لا يصدق، وفي الوقت ذاته ما يثبته الواقع، أن السفهاء كثر، ومن يقودهم الإيمان الأعمى دون إعمال للعقل غير قليلين، ليس بيننا نحن العرب فقط، فالأصوليات في مختلف الأديان، وحتى غير الأصوليات، تصاعد استثمارها لهذا الجانب الأعمى لإضفاء القدسية على أفعالها، فأصبحت الحروب وسفك الدم بالجملة، تخاض تحت راية تعجيل أمر الله.

لم يكن خفيا أن زعامات الكيان الصهيوني، ساسة وحاخامات، تحركهم هذه المشاعر ويحركون عقول أناسهم بها، وحتى الكثير من زعامات الولايات المتحدة الذين أوصلتهم الكنائس الإنجيلية إلى الحكم، لإيمانهم بمعركة هرمجدون.

كذلك ثمة دول إسلامية من المعروف أن عقيدتها تقوم على انتظار وتعجيل الظهور، ولكن الأمر تعاظم مؤخراً ليكون محركاً لجل الجماعات المتناحرة في شتى البقاع، ولم يقتصر الأمر على هذه الجماعات التي ترفع راية القتل لتعجيل النبوءات، بل أصبح حديثاً يومياً عند غالبية الناس دون استثناء.

والحديث عن الفتنة، أصبح هو في ذاته الفتنة، وكأن علينا أن نقتتل في ملاحم كبرى حتى تصدُق النبوءات، وغاب حتى عن كثير من المشايخ المروجين لها، أن علامات آخر الزمان تظهر عندما يريد الله لها أن تظهر، ولم يوجب علينا الإعداد لها مسبقا أو أن نعجل ظهورها بدمائنا، بل أوجب علينا الابتعاد عن الفتنة، والفتنة أشد من القتل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات