فوضى بلا لجام

تتآزر معطيات عدة بين وقت وآخر، لتوهم أن مسار الحدث العربي سائر إلى استقرار ما، أكان مآل ذلك لصالح ما قامت من أجله الثورات، أو التخلي عن مطالبها بعد أن تعبت الشعوب بما أثقل كاهلها من أزمات الاقتصاد، وأنهك أرواحها من رؤية القتل اليومي والتشريد والتجويع.

حالة قصر النفَس هذه ميزت العرب، شعوباً وأنظمة، في جميع الأزمات، غير أن مجريات ما يحدث الآن قد تفلتت من أن تكون خاضعة لمدى إصرار أي منهما على إنفاذ إرادته. فمن جهة دخلت إليها فاعلية إرادات لقوى متعددة، ومن أخرى انفتح فيها الصراع على غير ما بدأ من أجله، أو انحرف ليشمل أطرافاً وأهدافاً وعناوين مغايرة.

مسار الفوضى لم يبلغ ذروته بعد، على ما يشير إليه أدنى استشراف لما يحدث، والانحراف عن الخط الذي خرجت من أجله الثورات لا يبدو سوى أنه في مقدمته، ومن خروج الأغلبية عن صمتها إلى محاولات وأد صوتها بتبرير الدفاع عن مخاوف الأقليات التي ستهضم حقوقها وحتى استثمار الخلافات الفكرية والاختلافات المذهبية، لا مؤشر إلا على عهد طويل من غياب الاستقرار، في ظل فوضى أصبح التعايش معها أمراً مفروضاً على الجميع.

وفي مسارها إلى الآن، تكشفت هذه الفوضى عن صراع هويات حقيقي، قد يتحايل كثير من أقطابه بعدم الإشارة إليه صراحة، ليس درءاً لحجم مقتلة يمكن أن تقع إذا سمي هذا الصراع باسمه، فليس أكثر مما يحدث، ولكن ضمن مقتضيات كسب المعركة تكتيكياً ودبلوماسياً وأخلاقياً.

وربما لن يستطيع أحد التملص طويلاً من تسمية الأشياء بمسمياتها، إذ يقتضي أي إعلان للانتصار، تحديداً مسبقاً لأهداف المعركة ليقرر حجم إنجازها الانتصار من الهزيمة.

فالاعتراف بصراع الهويات أصبح أمراً لا مفر منه، وإن لم يكن هذا هو أصل الأسباب التي بدأ من أجلها هذا الصراع، إلا أن حتمية الوصول إليه تفرضها جميع الظروف، وفي مقدمتها تاريخية المنطقة وجغرافية توزيعها السياسي واستقطاباتها التي وإن كانت تسيل كالماء من تحت التراب دون أن ترى، إلا أنها كانت تتشكل سيلاً جارفاً بدأ يعلو الآن.

وتغذي هذا السيل قوى إقليمية ودولية تسعى في سبيل مصالحها، إلى تأجيج صراع نعرات طائفية أو عرقية أو أيديولوجية، ما تفتأ أن تتمحور بشكلها الأكبر على مستوى صراع هويات.

أما النظر إلى مستقبل هذه الفوضى ومآلاتها، فهو أمر لا يسهل استشرافه، وسيبقى مفتوحاً على مفاجآت ليست في حساب أي من الأطراف التي أفلت اللجام من يدها جميعاً، ومثلما حدث منذ بداية الصراع من انهيارات أخرجت لاعبين كان يعتقد أنهم محرك رئيس للحدث، قد تعيد انهيارات متتالية ترتيب الأوراق في كل مرحلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات