احتواء بالخوف

غير مقنع ما تكرسه أبواق الدهاء، عن أن أميركا تسحب خيوطها من المنطقة وتعيدها إلى كرة الصوف، لتدحرجها في مكان آخر من عالم مصالحها الذي فاق اتساعه قدرتها على إدارته.

لم تبق بقعة في العالم ليس فيها محور مصالح لأميركا، وهذا مرتبط تماماً بأنه لم تعد هناك نقطة في العالم خالية من الأزمات، فالأزمات تفتعل وتتسع وفق ما تقتضيه رؤى أميركا حول مستقبل مصالحها، وهي غالباً رؤى طويلة المدى ومتأنية، ليكون القصد أكثر تحققاً ونجاعة، بما لا يتقنه متحذلقو السياسة من ذوي المصالح والمقاصد المضادة أو المختلفة، سواء من أعداء أو حلفاء متلاعب بهم، وهم في أغلب أمرهم أصحاب ردات فعل آنية وبلا برامج مدروسة مسبقة التخطيط، ومن دون مبادئ ثابتة، فيسبقهم الحدث ليسير بهم في كل مرحلة إلى قبول ما كانوا يتمسكون برفضه في مرحلة سابقة.

اتساع مناطق مصلحة الولايات المتحدة إلى حد هذا قدره، لم يكن مبرراً في وقت من الأوقات لترحل وتلقي في عرض البحر عقوداً من عملها الدؤوب في منطقة غرست فيها وتداً رئيساً لمصالحها، فالطابع الذي يميز أكثر إدارة أميركا للأزمات في العالم، هو إنجاز مقاصدها بما يأخذ منها الكلفة الأقل. وربما كان من الناجع لها في أكثر من وقت، أن يخوض هذه الأزمات وكلاء عنها، مبصرون لما يفعلون أو أعمت الغشاوة عيونهم.. والخيانة والغباء في هذا لا يختلفان إلا بالتقييم الأخلاقي. النهج الذي نجحت فيه الولايات المتحدة على مدى سنوات في ما مضى، بسياسة الاحتواء المزدوج التي انتهجتها مع إيران والعراق، ومنعت من خلالها، دون كلفة كبيرة، قيام أي قوة رادعة لإسرائيل، قد يكون مثلاً واحداً على إدارتها الذكية لمناطق مصالحها.

ولكنها السياسة التي تعود إلى الأذهان بقوة، أمام ما تسعى إليه أميركا الآن من ترتيب سياسة شبيهة في المنطقة، وربما بكلفة أقل ونجاعة أكبر، لاحتواء متعدد، عبر دويلات تحكمها هويات متباينة، يحفظ لها الحدث الذي تجري صناعته الآن تاريخاً من الضغينة ورغبات الانتقام، ومستقبلاً يأسره الخوف الدائم من علاقات الجوار. الحدث، وإن كان لم يبدأ كأزمة بل كثورة حقوق وحريات، ولم تصنع شرارته الأولى أصابع العبث الأميركي، إلا أن الولايات المتحدة استطاعت أن تمسك بالكثير من خيوطه، وتحول الكثير من توجهاته.

ومحاولات الولايات المتحدة الآن للإيهام بأنها تترك المنطقة وترحل، ليست سوى حيلة جديدة تريد منها أن يسلمها الذين سيشعرون باليتم خلفها، ما تبقى من خيوط، لتلعب مستقبلاً حتى من دون خيوط، وتحفظ كرة صوفها كاملة.. فالخوف المتعاظم بين الهويات الممزقة، هو سفيرها الناجح لاحتواء كل ما يمكن أن يكون عليه المستقبل.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات