كيري المشوق

بدأت تتكشف سياسة طرق الحديد وهو ساخن، التي قادت وزير الخارجية الأميركي جون كيري إلى جولات مكوكية ولقاءات مكثفة في المنطقة، وبدا واضحا الآن أن الحديد الساخن الذي تُعمل فيه واشنطن مطرقتها هو الجانب الفلسطيني، فرغم تصريحاته في جولته الأحد الماضي، بأن الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي اتخذا قرارات صعبة بشأن التوصل إلى تسوية للصراع، إلا أنه يعرف تماما أن إسرائيل طيلة سنوات التفاوض والتسوية، لم تقدم أي تنازل ولم تتخذ أي قرارات صعبة.

بل على نقيض ذلك، كانت جميع الاتفاقات والأطر تكرس لهيمنة إسرائيلية غير منقوصة، وتمهد لحلول نهائية تدفن جميع الحقوق الفلسطينية، في وقت كان الجانب الفلسطيني هو الجانب السهل الذي تسحب منه التنازلات الصعبة دون أدنى تردد، في أوقات يكون فيها حديده ليناً لا يحتاج حتى إلى الطرق.

ويبدو أن هذا تماما ما يرمي إليه رئيس الدبلوماسية الأميركية في تحركاته المكثفة للتوصل إلى تسوية سريعة، وخصوصا وسط انشغال دول المنطقة بأزماتها الداخلية، بما يسهل معه دفع المفاوض الفلسطيني نحو القبول بتنازلات مصيرية وقرارات هي الأصعب لم يجرؤ على اتخاذها من قبل، وكل ذلك مقابل تعهدات مستقبلية، ووعود بحفنة مساعدات.

وتفاؤل كيري الذي عبر عنه في أكثر من جولة، ليس مرده إلى الاستسهال، بل أكثر من ذلك هو استهبال للجميع، عندما يحول كيري الأمر برمته إلى نكتة، ليظهر وكأنه قادم ليشارك أطفالاً حل لغز لعبة تركيب، فبالنسبة له ووفق تصريحاته: «المسار أصبح أكثر وضوحاً، واللغز أصبح أكثر تحديداً، وبات أكثر وضوحاً للجميع ما الخيارات الصعبة المتبقية»، ولكنه ليترك لدينا تشويقاً أكثر، امتنع عن إخبارنا عن الموعد المحدد الذي قد تنتظم فيه القطع الأخيرة من اللغز في مكانها، وكأن علينا حينها أن نغني له «شوقنا أكثر.. شوقنا».

والخيارات الصعبة التي أصبحت واضحة، هي كل ما أكد عليه كيري وطالب به الجانب الفلسطيني، وهو الاعتراف بيهودية إسرائيل، والقبول بكل ما يحفظ أمن إسرائيل، وتكريس سيطرتها على الأرض الفلسطينية في الأغوار والضفة الغربية والقدس المحتلة، وإلغاء حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وتصفية القضية الفلسطينية تماماً.

ربما لم يكن الخطأ وليد اللحظة، فالخطأ التاريخي كان في الدخول في عملية سلام مع العدو الصهيوني، وتحت رعاية واشنطن التي لم تكن لتقنع يوما أنها ملتزمة بتقديم حلول عادلة ومتوازنة، وكذلك في وقت لم يكن فيه حديدنا بهذه الليونة.. أما اليوم ونحن فوق النار وتحت المطرقة، فقد يبدو لمن يمكن استهباله أن الأجدى هو تقديم هذه التنازلات التاريخية الصعبة، ولكن إذا كنا لن نكسب شيئا وسنخسر كل شيء، فليس أجدى من أن نكسر لعبة كيري ونلقيها في المزبلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات