تناقض لغوي

علاقة احتفالية ليست أكثر، تنعشها المناسبات وتخفت في بقية الأيام، هي ما أصبحت عليه علاقتنا باللغة العربية، تماماً مثل أن ننفض الغبار عن فخار قديم في متحف يحكي تراثنا المنقرض.

علاقة تظهر جلية أكثر في موقف المتحرقين على اللغة، عندما يظهرون في موقف المدافع عن كائن منبوذ متروك جانبا بلا مبالاة، متوسلين لها المكانة من مدائح مفكري الأقوام الأخرى.

وليس هذا بأمر جليل الأثر مقابل أولئك المشددين على قوة تحمّلها في ذاتها، متذرعين بثباتها أمام ما أتى عليها عبر تاريخ من الإهمال واللحن واللهجات، من دون أن يتساءل هؤلاء عن جدوى ومعنى الثبات في المعجم المهترئ من كثرة غبار الأرفف، أو في الحصة المدرسية التي لا يعلو صوت اللسان فيها على صوت جرس الفراغ منها.

وصِفة الاحتفالية بالعربية كلغة، أنها متعالية بالفخر على لغة الأغيار، تعالياً لا يشوبه شعور بالدونية والنقص، وهو شعور يتجلى من دون ساتر في العربية كهوية، أمر يعتريه تناقض قد يبدو أنه يمتلك تخريجه في أن الشعور الأول ينبض به الاحتفاء والترضية، والثاني تصرخ به الحقيقة المرة.

ولكنه تناقض مقلق، لا أقل من أنه مرض من أمراض النفس والمجتمع، فأي تعالٍ بالفخر هذا تجاه لغة ينبذها أهلها، أفرادا ومؤسسات، لصالح لغات أخرى، في التعليم والعمل والتعامل اليومي؟ ومقارنة بسيطة مع لغة كالإنجليزية أو الفرنسية، اللتين لا يدخل حدود دولهما من لا يمتلك إجازة وبدرجة كافية في التحدث بهما، ولم تعودا تحتاجان إلى حملات لنشرهما في دول جديدة.. يظهر حجم المرض، ونحن نرى أن العربية أصبحت تحتاج إلى حملات في الدول العربية ذاتها للتوعية بأهميتها، وإعادة الروح إليها كرديف للهوية وحامل الثقافة والفكر.

التناقض يفضح أن التعالي الاحتفالي زائف، وأن شعور الدونية سيد حقيقي، قلب الصورة حتى تمظهر في ثقافة عيب تحملها الآن فئة لا يستهان بتعدادها، تتحرج من تحدث العربية، أو ترجو مكانتها الاجتماعية من إعوجاج اللسان بغيرها من اللغات. وكان أحرى بمجتمع متعالٍ بالفخر تجاه لغته، أن يرمي بالعيب من يتحدث غيرها.

وفي النتيجة كذلك أن تخلينا عن لغتنا ليس هو سبب شعورنا بدونية الهوية، على الرغم من أن الأمر متبادل، ولكن الأقوى أن الثاني هو سبب الأول.. وعزفاً على الجرح النرجسي الذي تدرج إلى أن كانت عروبتنا سبة يشتم بها أحدنا الآخر، بجد أو بهزل ذي تأثير لا واعٍ، كان أمراً حتمياً أن تتحول اللغة المرتبطة بهذه الهوية سبة وعيبا هي الأخرى، وخصوصاً في ظل أنظمة تعاقب من يقدح ذاتها، وتسكت عن قدح ذاتنا الجمعية، بل وتجمعنا على فخر احتفالي.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات