دبلوماسية الجنازات

تتحول جنازات الزعماء العالميين في بعض الأحيان إلى مناسبة لإذابة جليد علاقات هذه الدولة بتلك أو حتى إلى فرصة لالتقاط الصور أو فتح باب الحوار بين طرفين متخاصمين. حُكي كثيراً عن سير حافظ الأسد جنباً إلى جنب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في جنازة الملك حسين شتاء 1999. كان الأول يعيش عامه الأخير قبل وفاته بالمرض العضال والثاني شهوره الأخيرة قبل الإطاحة به في الانتخابات.

وبعد ستة أعوام، صافح بشار الأسد الرئيس الإسرائيلي موشيه كتساف «عرضياً» في جنازة بابا الفاتيكان يوحنا بولس الثاني، لتنخرط دمشق وتل أبيب بعدها في محادثاتٍ سرية في تركيا، وتحدث كتساف باللغة الفارسية مع نظيره الإيراني محمد خاتمي في الحدث إياه، في عز الانفتاح الغربي على إيران، قبل أن يستلم حكم طهران الرجل الذي ينكر الهولوكوست وتطيح بالرئيس الإسرائيلي فضيحة جنسية مدوية.

وقبل أيام، تكررت ظاهرة دبلوماسية الجنازات وكان مسرحها هذه المرة ملعب مدينة جوهانسبورغ في جنوب إفريقيا وبطلاها المدافع العتيق عن شباك الشيوعية المتهتكة راؤول كاسترو ورأس حربة عقيدة الانكفاء والمصالحة مع الأشرار باراك أوباما، اللذان تصافحا «من دون تخطيط»، بحسب ما ذكر البيت الأبيض.

الرئيس الأميركي، كعادته، مارس هوايته المفضلة في تقديم الهدايا المجانية إلى من يفترض بهم أنهم يهددون الأمن الوطني بل والدولي. وتطرح تساؤلات عديدة فيما إذا كان الأمر لا يعدو عن كونه غلبة روحية عيد الميلاد على أوباما، لكي يعمد إلى التقرب من نظام الأخوين كاسترو بهذه الطريقة، أم أن وراء أكمة شجرة عيد الميلاد ما وراءها؟.

وإن اقتضت الحصافة أن يُسقط المرء لازمة «الصدفة» التي تتكرر عند كل مناسبة من هذا القبيل، فإن ذلك يعني تالياً، وبطبيعة الحال، أن مثل تلك المبادرات لا تتم إلا في خضم «تسونامي مصالحات»، كما يحدث حول العالم حالياً، أو تمهيداً لشيءٍ ما يرفع منسوب مياهه أكثر فأكثر. والواقع، أن تقارباً محتملاً بين واشنطن وهافانا ليس ما يثير قلق المتابعين بحد ذاته، بل السؤال: إلى أي مدى يبدو أوباما مستعداً للذهاب في سبيل تنفيذ أجندته التي يعتقد أنها سترسي السلام الدولي؟.

وعليه، لا يبدو مستغرباً أن يتوجه الرئيس الأميركي غداً إلى بيونغ يانغ ويشرب الشاي في ضيافة كيم جونغ أون من أجل إقناعه بتفكيك ترسانته النووية، خاصةً أن هناك إحباطاً لدى كوريا الجنوبية واليابان من الموقف الأميركي الباهت بخصوص أزمة منطقة الدفاع الجوي التي أعلنتها الصين، حليفة كوريا الشمالية، مؤخراً. حينما تقدم قوة عظمى على مبادرة ما بخصوص أي ملف، فإنه يجب أن يكون لها معنىً ولا ترسل رسالة خاطئة تشير إلى ضعف تلك القوى تجاه ما كان يعرف حتى أمدٍ قريب بـ«الدول المارقة».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات