العرب وعالم جديد يتشكل

شهدت الساحة الدولية خلال الأعوام الأخيرة، تغيرات هامة في موازين القوى، حيث برزت روسيا بشكل واضح، واحتلت مواقعها الريادة في توجيه الأحداث، في الوقت الذي تراجع فيه الدور والتأثير الأميركي والأوروبي، وهذا ما شاهدناه في تطورات الأزمة السورية، وفي أزمة النووي الإيراني، وفي مصر، شاهدنا الاستدعاء الشعبي والرسمي الكبير لروسيا لتحل محل أميركا، واستجابة موسكو لهذا الاستدعاء.

ومن الملاحظ، التقارب الواضح بين دول الخليج العربي وروسيا، رغم ما تخيله البعض خلال الفترة الماضية من عوائق أمام مسيرة هذه العلاقات، بسبب الأزمة السورية، حيث عاد تبادل السفراء بين روسيا وقطر بعد انقطاع دام قرابة عامين، وتكررت الزيارات المكثفة لرئيس الاستخبارات السعودية الأمير بندر بن سلطان لموسكو، ولقاءاته المغلقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي تثير جدلاً واسعاً وتساؤلات كثيرة.

بروز الدور الروسي لم يقتصر على منطقة الشرق الأوسط، بل امتد خارجها، حيث شهدت قبرص استدعاء رسمياً وشعبياً لروسيا، مشابهاً لما حدث في مصر، بعد أن خذل الأوروبيون قبرص في أزمتها المالية، ووصل الأمر لأن تعرض قبرص على روسيا قواعد عسكرية على أراضيها، كما شاهدنا تركيا تتراجع عن مواقفها المتشددة في الأزمة السورية، وتؤيد المساعي الدبلوماسية..

وذلك بعد زيارة رئيس وزرائها أردوغان الأخيرة لموسكو، ولقائه بالرئيس بوتين، وحتى إسرائيل باتت هي الأخرى تتقرب بشكل واضح من روسيا، وتنسق معها بشكل بات يزعج واشنطن، وتكتب عنه الصحف الأميركية..

وآخر الساحات التي شهدت انتصاراً مدوياً لروسيا على الأوروبيين والأميركيين، كانت أوكرانيا، التي رفضت اتفاق الشراكة الأوروبي، فقط لأنه يضر بعلاقاتها مع جارتها الكبرى روسيا، هذا الاتفاق الذي بذل الأوروبيون جهوداً كبيرة لإغراء أوكرانيا وإقناعها بقبوله.

لا شك أن هذا الصعود الروسي له عوامل وأسباب كثيرة داخل روسيا، مثل النهوض الاقتصادي الملحوظ، واستعادة روسيا لقوتها العسكرية والسياسية، وأيضاً شخصية الرئيس بوتين التي لعبت الدور الأكبر، فروسيا كانت وما زالت أغنى دول العالم في ثرواتها الطبيعية، لكن كانت تنقصها فقط الإدارة الوطنية الواعية.

لكن هناك عوامل أخرى هامة للغاية لعبت دوراً محورياً في تغيير موازين القوى، من أهمها الأزمة المالية العالمية التي لم تقتصر تداعياتها على الجانب الاقتصادي، بل تعدته للجانب السياسي والاستراتيجي، بحيث لم يعد في طاقة الأوروبيين والأميركيين ممارسة نفوذهم وتأثيرهم العالمي الذي يحتاج منهم لنفقات باهظة، بل إنهم أيضاً لم يعودوا قادرين على مساعدة بعضهم البعض في مواجهة الأزمة..

وبات هؤلاء العظماء السابقون يمدون أيديهم لروسيا والصين، يطلبون المساعدة في مواجهة الأزمة. هذا الواقع يشير إلى تغيرات جذرية في موازين القوى العالمية، سيشهدها العالم قريباً، ويبقى على العرب أن يتركوا مقاعد الانتظار ويتعاملوا مع هذه المتغيرات من الآن، قبل فوات الأوان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات