كلام في الكلام

جميعنا نمتلك الحق في الكلام، حق كفلته الفسيولوجيا لكل من لم يصب بعلّة بدنية، ومكفول في قوانين كل الدول التي لم تصب بعلّة الديكتاتورية.

هذا هو الأمر في ظاهره، أما في الحقيقة فأغلب الناس معتدى على حقهم في الكلام، وأكبر اعتداء على هذا الحق يأتي غالبا من نظم تدعي حمايته، أما نظم تكميم الأفواه فهي حمقاء مباشرة وواضحة، وتحفز الخروج عليها بالكلام الجهور المسموع.

أن يعتقد البعض أن ألسنتهم طليقة وأفواههم مفتوحة، فهو أول الخديعة، لأن الكلام، إذا كان كلامهم حقاً، فهو غير مسموع، فأغلب النظم التي تكفل حق التعبير وتدافع عنه، إنما تفعل ذلك بعد أن تكفلت بحصر وسائله في فئة محدودة تدعم تلك النظم، وحتى هذه الفئة لا تستطيع منح المسموعية لكلامها إلا بالحصول على إجازة من واحدة من مؤسسات النظم ذاتها.

قنوات الإعلام والنشر كافة، ومنابر الخطابة ومؤسسات التعليم، وحتى صالونات التواصل الوجاهية، جميعها ـ تقريبا ـ تحتكر مسموعية الكلام، إما عبر احتكار الوسيلة أو عبر احتكار الإجازة التي تمنح للكلام قيمته وتسقط عن غيره أي قيمة.

تعمل آلية أخرى في ظل هذا الاحتكار، على محاصرة كثيفة ومستمرة للذهن، لتكريس الكلام الذي يمتلك حق المسموعية في هذه النظم، حتى يصبح هذا الكلام من البدهيات والمسلمات التي لا يميل الذهن عادة إلى مساءلتها، وحين يتكلم البعض في ظل ذلك فإنما يردد كلام الآخرين معتقدا أنه يقول ما يريد، وحين يسمع فإنه فقط يسمع ما تمت تهيئته للإصغاء إليه، عبر مشاركته ضمناً في الاعتراف بالإجازة التي تمنحها المؤسسات المعنية لحق الكلام.

وأكثر من ذلك، فان آلية هذا عملها، أصبحت تكرس بسهولة مفاهيم دخلت في إطار البدهيات، وترددها ألسنتنا وهي ضد أنفسنا، وليس على سبيل الحصر، ما ننعت به ذاتنا الجمعية من صفات كالإرهاب والتخلف، وتتحدد نظرتنا إلى ذواتنا من خلال هذه المفاهيم، والأمثلة كثيرة، قد تبدأ من النكتة في الشارع، والسخرية والتندر في الإعلام مكتوبا ومرئياً، ولا تنتهي عند الدراسات والأبحاث والحوارات الجادة.

لا يقف الأمر عند آراء يومية وربما أذواق كاللباس والغناء، رغم خطورة الأمر برمته، فقد يصل إلى مفاهيم مصيرية سياسياً واجتماعياً، وربما إنسانياً أيضاً! ومفاهيم كبرى مثل الحرية والحقوق والأخلاقيات، كفيلة بفضح التحديدات التي سيّجتها بها هذه الآلية وفق متطلبات النظم التي تمتلكها، وحق الكلام في ذاته مثال صارخ على هذه التحديدات.

نحن نقول ما يريده الآخرون، وما نبتهج ونحن نردده ليس مجرد كلام في كلام، فالكلام خطير.. ولكن هل الحل في أن نكف عن الكلام؟!

طباعة Email
تعليقات

تعليقات