نخبة مصر وقضايا الوطن

بعد عملية مخاض دامت نحو ثلاثة أشهر، خرج الدستور المصري الجديد من رحم لجنة الخمسين إلى حضانة الرئاسة، استعداداً لحصوله على شهادة الميلاد من الاستفتاء الشعبي عليه، لكن الجدل الذي ثار حول هذا الدستور من مختلف الطوائف والاتجاهات السياسية، إلى جانب الجدل الأكبر حول قانون التظاهر، يعكس واقعاً مريراً تعاني منه مصر على مدى نحو ثلاثين عاماً مضت.

ومرارة هذا الواقع تتمثل في غياب النخبة السياسية عن المشاكل والقضايا الأساسية للشعب والوطن، وإصرارها على الذاتية (الفردية والجماعية) منها، والتي تجعلها إلى حد كبير منفصلة عن الواقع. والذاتية في العمل السياسي قد تكون فردية لدى أشخاص، أو جماعية لدى جماعات أو أحزاب أو تشكيلات محددة.

الإصرار على تحديد المرجعية الإسلامية التي ستكون مصدراً للقوانين، أو البكاء على حصة الفلاحين والعمال، أو على «كوتة» الأقباط في البرلمان، أو الجدل حول تعيين وزير الدفاع وعزله، وحول اختصاصات الرئاسة، إضافة إلى الجدل الحاد حول قانون التظاهر، وغيرها من القضايا التي شغلت الساحة السياسية في مصر الشهور الماضية..

والتي جعلت منها النخبة السياسية، على حد التعبير العامي المصري «سبوبة» تتلمع بها تحت الأضواء وعلى شاشات الفضائيات، بل جعل منها البعض وسيلة للهجوم على الحكومة الانتقالية وعلى النظام الحاكم المؤقت، وحتى على النظام القادم الذي لم يأتِ بعد..

هذا الإصرار والجدل يعكس عدم استيعاب النخبة السياسية المصرية على مدى عقود ثلاثة مضت، لقضايا الشعب والوطن، هذه النخبة التي ما زالت تتشدق بمصطلحات وشعارات الحرية والديمقراطية، لا تنظر خلفها للشعب الفقير الجائع الذي لا يجد الغذاء ولا العمل ولا العلاج ولا التعليم، ولا تنظر خلفها للحالة الأمنية المتردية التي تعطل مسيرة الحياة اليومية ومؤسسات الدولة، ولا تنظر للخطر الداهم الذي يهدد مصر في سيناء من جماعات من المرتزقة المأجورة الموجهة من أعداء الوطن، والتي تقتل بدم بارد أفراد الجيش والأمن المصري.

النخبة السياسية البعيدة دائماً عن واقع الشعب المصري، والتي كانت تمارس في عهد مبارك دوراً ديكورياً معداً لها سلفاً، وكانت تمارس نفس الدور طوعاً وإدماناً في ظل حكم الإخوان المسلمين على مدى عام كامل، ما زالت تتعاطى هذا الدور تبغي من ورائه النجومية والبقاء في دائرة الضوء، ناسية أو متناسية أنه لا نجومية ولا أضواء من دون جمهور تتحقق له متطلباته وحاجاته.

في ظل الظروف التي تعيشها مصر الآن، والحالة الأمنية والاقتصادية المتردية، وفي ظل الضغوط والمساومات الخارجية على مستقبل الوطن، يبدو من العبث الجدل والصراع حول قانون التظاهر أو حول مرجعية الشريعة وحصة العمال والفلاحين والأقباط في البرلمان، أو حول مستقبل مصر في ظل ما يسمونه بـ«حكم العسكر»، بهدف تخويف الشعب وإرهابه.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات