دروس من البرتغال

زائر البرتغال يعيد اكتشاف وقائع ويصحح مفاهيم تجاه بلدٍ يعتبر مجهولاً بعض الشيء بالنسبة إلى شعوب المنطقة على الرغم من التاريخ المشترك والتشابه في بعض التقاليد الاجتماعية والمفردات اللغوية. والحال، أن المثل البرتغالي يعطي المراقب دروساً في الكيفية التي يمكن من خلالها لبلدٍ ما الخروج من أزمته أو على الأقل المحاولة. فالبلاد الواقعة في أقصى غرب أوروبا..

والتي كانت تعتبر امبراطورية بحرية قبل بضعة قرون وصلت أقاصي أميركا الجنوبية وجنوب شرقي آسيا، ضربتها أزمة اقتصادية منذ أعوام تعتبر الأسوأ في تاريخها الحديث، دفعت السلطات البرتغالية إلى اتباع سياسة تقشف أجبرتها على اتخاذ قراراتٍ غير شعبية لكنها ضرورية. لا يبدو الشعب البرتغالي متأثراً كثيراً بما حصل في بلاده من أزماتٍ اقتصادية ولا متوقفاً عند أمجاد التاريخ..

وكأن الزمن توقف في القرن الخامس عشر. بل على العكس، تبدو روح المقاومة والتفاؤل البرتغالية جلية في حديث الناس هناك وتعاملهم مع حياتهم اليومية، بحيث لا يلتفتون كثيراً إلى تفاصيل الأزمة الاقتصادية والمماحكات مع بعض دول الاتحاد الأوروبي. وحتى في داخل الاتحاد، تزداد المؤسسة الأوروبية قناعةً وتمسكاً بحقيقة أن البرتغال جزء أصيل من تلك المنظومة مع أنها بلد زراعي وبحري لا يمتلك ثرواتٍ طبيعية يُطمع بها.

وعليه، فإن تلك العقلية التي أسست لدخول البرتغال الاتحاد الأوروبي وبقائها فيه، ومكّنت البرتغاليين من مواجهة أزماتهم وعدم الارتهان إلى «نوستالجيا» الماضي، هي ما جعلت من البلاد المكملة لشبه الجزيرة الإيبيرية مثالاً يتوجب الاقتداء به في مقارعة خيبات الأمل التي تجثم على صدور شعوب بلدان الشرق الأوسط، خاصةً في ظل حقبة الربيع العربي.

وكذلك، فإن البرتغاليين عانوا هم أيضاً من حكم الدكتاتورية العسكرية وانتفضوا في 25 أبريل 1974 على النظام في «ثورة القرنفل» إياها مستعيدين النظام الديمقراطي وممهدين الطريق إلى جيرانهم الاسبان للقيام بالشيء نفسه. وما يزيد من احترام المرء للبرتغاليين، محافظتهم على تقاليدهم واعتزازهم بها بالتوازي مع تعايشهم مع قيم الحداثة، وهو ما يصب أيضاً في خانة التعاون شرق الأوسطي- البرتغالي، حيث يكتسب هذا العامل بالذات أهمية قصوى وحساسية في المنطقة.

عدا عن ذلك فإنه، وخلافاً للدول الغربية، فإن البرتغاليين ينظرون إلى العرب والمسلمين نظرة تقديرٍ واحترام، ويبدون حرصاً كبيراً بهم وبثقافتهم، من منطلق التعامل معهم كشركاء محتملين لا كتابعين. إذاً، تبدو لشبونة مؤهلة للعب دورٍ فعال في ملفات المنطقة، بامتلاكها مقوماتٍ عديدة، قد لا يختلف كثيراً عما فعلته مدريد في مؤتمر السلام المشهور العام 1991، أو في الملف السوري. ولا غرو.. فقد يبدي الفرقاء المتخاصمون في الشرق الأوسط استعدادهم للذهاب إلى كابو دا روكا البرتغالية، آخر نقطة برية في القارة العجوز، في سبيل التوصل إلى حل سياسي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات