عِلم في خدمة الوهم

نتاج وفير ومثير أنبته العلم، وإذا كانت الكثرة تثقل لسان من يريد إنكارها، إلا أن الإبهار يجب ألا يسد المشهد أمام النظر إلى غير خرافة العلم، التي كرسها بعد أن تفلت من حراس بوابته، لينصب نفسه حارساً لكل بوابات العقل والإرادة.

وندرة هم المتفلتون من خرافات عصورهم ولديهم الشجاعة على فضحها، وحاول هؤلاء فضح مآزق كبرى تمزق كل أساس زائف للعلم، ولم يتمزق إلا هم وسط تيار جارف في اتجاه واحد، أخرج العلم من هدفه الرئيس في حرية الإنسان وإسعاده، إلى خداعه وإخضاعه.

فضح فيلسوف علم النفس إريك فروم، مثلاً، في كتابه «تشريح التدميرية البشرية» كثيراً من مآزق العلم، منها تضمينه ذكراً لدراسة أجراها باحث أميركي لـ24 عالماً نفسياً وبيولوجياً واجتماعياً في ما يتصل بمشكلة التربية، وبين 12 ليبرالياً وجد 11 بيئوياً وعالماً واحداً فقط يؤكد الوراثة، وبين 12 محافظاً وجد 11 عالماً يؤكدون الوراثة وبيئياً واحداً فقط.

وأكد فروم في غير موضع وبأسلوب علمي، أن العلم يسير بتوجهاته وفق إرادات سياسية واجتماعية متحكمة.

الفرنسي بيير بورديو، خرج في جل كتاباته وحواراته، ليفضح مساهمات علم الاجتماع، وهو العلم الذي يحاول أن يكون رقيباً على كل العلوم، في التكريس للنظم السائدة.

والأزمة التي تتراكم اليوم لا تقف عند العلوم الاجتماعية والنفسية، ولم تعد هذه مسؤولة فقط عن إخفاء الحقيقة، ولكنها أصبحت تزيّفها وتتضامن مع النظم السائدة لتمهد لها الطريق في توجيه العلوم الأخرى.

كانت هذه نتيجة حتمية لطغيان نظم تسودها الرأسمالية والشركات الكبرى، إذ ذهب توجه العلوم وأبحاثها مذهباً بعيداً في الاحتكام إلى التمويل، فانصاعت العلوم بأهدافها وأدواتها ونتائجها لخدمته، بل وأصبحت تشكل إنساناً جديداً بانضباط ومفاهيم وحاجات ليس فيها من الحقيقي سوى تهيئته لتسويق سلع الرعاة.

السخرية المنتشرة على شبكات التواصل حول الأشياء التي لم يتوصل إليها العلم حتى الآن، ومنها معجون الأسنان الذي لا ينصح به الأطباء، والجرثومة التي لم تقض عليها المطهرات من بين 99.9%، ربما تعبر عن مشاعر شعبية وإن كانت مبهمة، حول توجهات العلوم اليوم، ولكن ماذا تمتلك هذه المشاعر أمام سيل الدراسات والأبحاث التي تنهمر يومياً عبر وسائل الإعلام كافة في العالم، لتسوق الوهم والخوف وتدفع عبرهما إلى الاستهلاكية المفرطة!

لا يقف الأمر عند خلق مفاهيم جديدة عن الجمال والحاجات الاجتماعية الزائفة، وتسويق تقنيات التسلية لقتل أوقات الفراغ، بل هناك صناعة أمراض لتسويق أدوية، وتكريس لنظريات في النزاعات والحروب والعدوان لتسويق أسلحة، وصناعة جوع لتسويق محاصيل.. وغيرها.

وفي غياب القيمة حارساً لبوابة العلم، لم يعد العلم يتساوى مع الوهم فقط، بل أصبح أكثر خرافة من تعويذات الكهنة القدماء.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات