قناع وخداع

المسلسل المستمر في تساقط ما يستر العورة الأميركية، لم يكن له من تأثير يذكر إلى الآن على صورة أميركا، أكثر من أنه القشة التي لا يمكن أن تزيد أدنى ثقل على ظهر البعير.

التجسس داخليا وخارجيا، على الشعوب والدول عدوة وحليفة، لم يكن سوى إشارة صغيرة على عمق الأزمة الأخلاقية في العقل والثقافة الأميركية، فقد سبقتها حجما وزمنا، وربما على مدى التاريخ كله، الكثير من الفضائح اللاأخلاقية وضد الإنسانية.

وليس أوضح وأقرب من التعامل الأميركي مع ثورة الشعب السوري، وثورات الشعوب العربية التحررية بوجه عام، وكانت قبلا ولا تزال تدعم الدكتاتوريات حول العالم، وتغذي الأصوليات والتمايزات الطائفية والعرقية، وتمارس الخداع لبث النزاعات الأهلية والحروب.

وهي الدولة التي تمتلك حق النقض في مجلس الأمن، ولم تستخدمه إلا لدعم كيان الاحتلال الوحيد المتبقي على ظهر الأرض. ولم تصبح في طي النسيان بعد، تلك الأكاذيب التي بثتها لغزو العراق واتخذت منها ذريعة لتدميره وقتل الملايين، عدا عن تجاوزات حقوق الإنسان المشينة التي ارتكبت في سجونها (أبو غريب وغوانتانامو). وأكثر من ذلك، فهي لا تزال من الدول القليلة التي لم تصادق على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، واتفاقية حقوق الطفل.

أمر قد يثير الغرابة، أن أميركا التي أصبحت عارية تماما من كل ما يستر عمق الأزمة الأخلاقية في ثقافتها، لا تزال تتربع على عرش العالم الحر.. فكيف استطاعت؟!

إن نهج الديمقراطية السياسية الذي يفخر به الغرب، لم يخدم حرية إنسانية حقيقية بقدر ما كان يخدم قناع احتيال لإخفاء الوجه القبيح، فأي سقوط أخلاقي بوجود هذا النهج، يحيل إلى أزمة في إدارة تقود دفة الحكم الآن وتذهب لتحمل وحدها عبء هذه الأزمة التاريخي. ولا يحيل ذلك ضمنا إلى أزمة في الثقافة الكلية للعقل الغربي، فالتجسس ليس إلا أزمة لإدارة أوباما، وخداع العالم في العراق هو أزمة لإدارة بوش وحدها.

يضاف ذلك إلى خداع أكبر، عبر صناعة الخوف لتبرير كل السياسات المنافية للأخلاق الإنسانية، والتي تمارس، في تناقض غريب، بدعوى الحفاظ على الحقوق الإنسانية ذاتها في العالم، فمن دون هذه السياسات والممارسات، حتى وإن كانت خاطئة، كيف ستحمي الدولة الأكبر والأقوى حقوق الإنسان الحر، ضد همجية الإرهابي عدو الإنسانية؟!

والقناع والخداع قد لا يكونان إلا وسيلتين للإخفاء والتزييف، تجملان الوجه القبيح لتلك الثقافة المادية التي لا تحمل رسالة إنسانية مبشرة، سوى أنهما وسيلتان نجحتا في نشر هذه الثقافة، حتى أصبح العالم بغالبيته يدين بها، حدّ التقديس، ولا يستطيع الالتفات عنها للتفكير في بديل، وأصبح من المستحيل رؤية عورة هذه الثقافة حتى لو انكشف سترها، ما ينذر بسياسات قبح أميركية قادمة بعورة مكشوفة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات