أمِّية بصرية

لا يستوي الأعمى والبصير في عصر أزالت الصورة حدوداً كانت تسيّجها اللغة واختلافاتها، وليس البصير كذلك من ينعم بمقدرة الرؤية، فهذا يتساوى مع الكفيف في إعاقته تماماً، إن لم يمتلك كفاية في تنمية هذه الحاسة بالتعليم والتدريب والتجربة بما يؤهله لمحو الأمية البصرية على الأقل، وتفسير وادراك ما يعترض عينيه من اشكال وصور وما وراءها من دلالات ومعانٍ.

ويبدو أن الصورة لم تقنع بسيادة عرش التواصل في مجتمعات اليوم فأوغلت في التوالد والتطور، ومن الرسم والفوتوغرافيا إلى التحريك، ثم شاشات التلفزيون والسينما، ونحن نرى الآن النقلة المذهلة في السينما ثلاثية الأبعاد والسينما الافتراضية التفاعلية التي تدخل المشاهد ليشعر أنه يتشارك في الحدث مع شخوص الفيلم، فوق ما تفرضه الصورة من اعادة هندسة للمعرفة ووسائلها، إذ أصبح التعليم يعتمد الثقافة البصرية أساسا، وتطورت الوسائط المتعددة ووسائل العرض والاعلام الالكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي، لتمنح الصورة حجما غير محدود من الدفق، لا يمكن السيطرة عليه.

مع كل هذا لم يعد من قبيل المبالغة ما قيل بأننا نعيش في مجتمعات موجهة بصرياً، بل أكثر من ذلك أصبح الغزو البصري ممحاة أنجع لثقافة المجتمعات الأضعف، لما تمتلكه الصورة من قدرة أسرع على تجاوز حاجز الممانعة العقلية والتسلل الى ما وراء الشعور والسكن الى الأبد في ذاكرة الأفراد والمجتمعات، بما لم يتوفر للكلمة قبلها.

بل وينذر التطور الذي لا يتوقف، بما هو أكثر من ذلك، وقد يصبح استلاب الذهن وربما خطف الذهن وتكبيله واقتياده الى حيث شاء المتحكم بالإنتاج البصري، أمرا واقعاً وليس خيالاً.

ولا يحتاج الأمر خبيراً لاكتشاف الفجوة الكبيرة في الثقافة البصرية، بين مجتمعات تتحكم بالدفق الهائل من الانتاج البصري وتجاوزت ذلك الى تطوير الوسائل وتعظيم الاستفادة منها، وبين مجتمعات لا تزال تنظر الى حصة الفن في المدارس على أنها وقت فراغ يمكن استثماره في دروس أكثر جدية.

وقد يصدق كثيرا أن امتلاك المعرفة البصرية وادراك الرسائل البصرية الموجهة، لا يقلل من مدى التأثر بمضمون هذه الرسائل بل يزيده، ولكن هذا صحيح ما بقينا مستهلكين فقط ومصفقين مذهولين بما ينتجه الآخرون.

الأمر لا يحتاج الى محو أميتنا البصرية فحسب، وانما النهوض بانتاج بصري حقيقي يحمل ألوان ثقافتنا، والأمر لم يعد مكلفا، بعدما توفر من وسائل وأدوات تمكّن من الانتاج زهيد الكلفة حتى في السينما، وهي أدوات يستطيع الأفراد امتلاكها، ولم تعد حكرا على المؤسسات كبيرة التمويل. ولكن ما دمنا لا نعرف من الثقافة البصرية أكثر من الابتسامة أمام الكاميرا لصورة أجمل، فان الأمر يظل بعيداً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات