ما تشهده مصر الآن من أحداث إرهابية وتظاهرات وفوضى أمنية يرجعه الكثيرون إلى غضب الإخوان المسلمين من طردهم من السلطة، ويتهم الكثيرون جماعة الإخوان بأنها هي التي وراء كل ما يحدث، سواء في سيناء أو داخل مصر، وهذا في الواقع ليس صحيحاً تماماً، فالإخوان بكل إمكانياتهم المادية والبشرية أصغر بكثير من مواجهة الأمن والجيش والشعب معاً، خاصة ..

وأننا نعلم جيداً أن كل التيارات والجماعات المتطرفة المسلحة ذات التاريخ الإرهابي قد انضمت للإخوان وأيدتهم ودعمتهم منذ اليوم الذي تولوا فيه السلطة في مصر، وهذا بالطبع ليس تعاطفاً دينياً ولا توافقاً في المبادئ والتوجهات، بل هو في الواقع توجيه من جهات وقوى خارجية تدير وتوجه نشاط هذه التنظيمات والجماعات في الخفاء، بما فيها جماعة الإخوان التي هي أداة من أدوات هذه الجهات من يوم تأسيسها حتى الآن.

ولا يخفى على أحد غضب واشنطن من دعم الجيش المصري لثورة الشعب لإسقاط الإخوان، وليس ذلك حزناً من الأميركان على الإخوان وجماعتهم، بل هو ردة فعل للصدمة التي أصيبوا بها من صعود المؤسسة العسكرية المصرية وتصدرها للمشهد السياسي في مصر، هذه المؤسسة التي اعتقد الأميركان أنها تابعة لهم بعد ثلاثة عقود من المعونات والإشراف شبه المباشر..

خاصة وأن معظم الصفوف الأولى في قيادات الجيش المصري تلقوا تدريباتهم في الولايات المتحدة، حيث تم إعدادهم هناك على أسس العقيدة العسكرية الأميركية وتنفيذ توجيهات واشنطن، ولا شك أن كل هذا كان يتم بمتابعة دقيقة وإشراف خفي وغير مباشر من إسرائيل التي سعت طيلة العقود الأربعة الماضية إلى تغيير صورتها لدى العسكري المصري ومحو صفتها كعدو من العقيدة العسكرية المصرية.

ولا يخفى على أحد مدى أهمية مصر بالنسبة لواشنطن وإسرائيل، وأيضاً مدى الجهد الذي بذلتاه طيلة العقود الأربعة الماضية لتهميش الجبهة المصرية تماماً وإخضاع السياسة المصرية لخدمة مصالحهم، ورغم أن إسرائيل كانت تعلم يقيناً أنها مرفوضة في الشارع المصري الذي رفض التطبيع معها، إلا أن الشعب لم يكن يهمها كثيراً بمثل ما يهمها الجيش المصري الذي اعترفت وتعترف دائماً بأنه هو الخطر الأكبر عليها في المنطقة.

الآن، مع تطور الأحداث بعد سقوط الإخوان، تنظر واشنطن وتل أبيب إلى الجيش المصري نظرة شك وريبة، وتخشيان من هذا التلاحم الشعبي القوي مع الجيش من أن يعيد العقيدة العسكرية السابقة، وأن يغلب الموقف الشعبي المصري على الموقف السياسي والعسكري، وتعود إسرائيل العدو الأول لمصر، وتعود الكراهية لأميركا وسياساتها المؤيدة لإسرائيل.

هذه الصورة ربما توضح لنا من صاحب المصلحة ومن وراء ما يحدث في مصر، والمطلوب الآن المكاشفة والمصارحة والمحاسبة، وأيضاً الاتفاق، إما أن يكونوا أصدقاء أو أعداء.