حلول فاجعة

سيناريوهات كثيرة تقترح لما يمكن أن تؤول إليه الأحداث الكبرى في البلدان العربية، فالثورات يمكن أن تحقق ما تصبو إليه الشعوب ويمكن أن تشهد ردة، وبين هذا وذاك قد يتحقق بعض التطلعات، كأن تدرك الأنظمة الحاكمة الدرس وتغير من دون أن تتغير، وتكفي بلدانها شرورا هي في غنى عنها.

لكن النخب الحاكمة، وربما بسبب الإرث الطويل الذي رتبت كل أوراقها عليه، من القمع والفساد والتفرد بمؤسسة الحكم، وتعظيم المشاكل داخليا وترك المشاكل الخارجية مستعصية دون حلول، وبسبب الإرث الطويل أيضا من عدم مصداقيتها أمام الشعوب، لا يبدو أن هذه النخب بصدد تعلم أي درس، فهي نخب تزيد في إقناع ذاتها بأنها وحدها رشيدة الرأي والحنكة والفعل، وأن عليها أن تعطي الدروس دون أن تأخذها.

وما يضاعف من توجه هذه النخب على هذا النحو، ما آلت إليه مجريات الأحداث بعد أن طفت على السطح كثرة كانت خامدة في الشيع التي مالت إلى استثمار الظرف فيما أحالها إلى التناحر، لتفضح مطالب بعضها بعضا في المقام الأول،.

ولتقدم على طبق من ذهب وصفة سحرية للنخب الحاكمة لتجتهد في دعم ما خلفته التراكمات من شروخ في أسوأ قصد وعمد سيذكره تاريخنا، تكريسا للرأي الأحمق الذي يقود إلى أن الاستقرار تحت سوط العبودية نعمة، مقابل نقمة الفوضى التي جاءت بها مطالب الحرية.

وحال من يتزعمون الشيع الذين خرجوا في أعقاب الثورات ليؤسسوا لتفردهم في الحكم الجديد، ليس أفضل حالا من نخب يرتب لها الخوف من الداخل والخارج أوراقها وسياستها ومستقبلها، وليس فيهم جميعا واحد لا يؤمن بأنه يتفرد بالحق، وأن غيره على الباطل، وما ينبئ به ذلك، هو نتيجة واحدة في غاية السوء، تكرس لإحباط جمعي تغيب معه أي ذرة ثقة تجاه جميع أنواع السلطات ومؤسسات المجتمع ومكوناته.

بل والسخرية مع غياب الإيمان بكل القيم الكبرى، كالواجب والوطن والمصلحة العامة والمستقبل، وحتى التغيير بعد أن يكون لنا تاريخنا الخاص عن الثورات التي التهمت أبناءها بدل الحديث عن تاريخ الآخرين.

والأطراف كافة إنما تفعل ما تفعل بما يسول لها رأيها الرشيد بأن ما تقدمه هو حلول ناجعة، وإنما هي حلول فاجعة لا يمكن أن تعود على الجميع إلا بالعواقب الوخيمة التي لا يمكن بعدها علاجها إلا بالمزيد من صنع المصائب..

 وحتى الاكتفاء بإدخال التحسينات على الأنظمة الاقتصادية، بعيدا عن التغيير الفعلي في الأنظمة الاجتماعية والسياسية، لن يكون أكثر من ترك الجرح ينزف والاكتفاء بتسكين الألم. النتائج التي تخلفها الأحداث العظمى في المجتمعات ليست نتائج مؤقتة، بل هي تأثيرات طويلة الأمد لا يمكن أن تزول بسهولة حتى لو زالت أسبابها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات