ربما لا يعلم الكثيرون أن مصطلح « حكم العسكر « لم يكن له وجود على الساحة العربية قبل ظهور قناة الجزيرة عام 1997، وهو من إبداعات هذه القناة التي قصدت به بالتحديد عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وحاولت من خلاله تشويه صورة ثورة يوليو 1952 واعتبارها انقلابا عسكريا، بالضبط مثلما يفعل الإخوان المسلمون الآن في مصر في تشويههم لثورة 30 يونيو التي أطاحت بحكمهم الفاشل.

ونذكر أنه عندما قام الشعب المصري بثورته في 25 يناير 2011 لم يظهر شعار « يسقط حكم العسكر « سوى مع ظهور الإخوان المسلمين في ميدان التحرير بعد يوم 28 يناير، ثم عاد واختفى بعد سقوط مبارك وتولي المجلس العسكري شؤون السلطة.

حقيقة الأمر أن مصر لم تشهد في تاريخها حكما عسكريا، ولا يمكن وصف نظام عبد الناصر ولا السادات أو مبارك بأنه كان عسكريا، حيث كانت البلاد تدار بشكل مدني بحت حتى أثناء الحروب التي خاضتها مصر خلال تلك الفترة، و» حكم العسكر « في حد ذاته مصطلح أجوف لا معنى له لأنه ليس له تجارب واقعية، لكن الإخوان المسلمين استخدموه فقط ليبرروا غيابهم عن السلطة طيلة العقود الماضية.

وللأسف أن الكثيرين من غير الإخوان كانوا يرددونه وراءهم بدون وعي، وكأن العسكر غرباء عن الوطن أتوا لاحتلاله والسيطرة عليه، أو أنهم معروف عنهم الفساد والعمالة وغيرها من الصفات السيئة، أو أنهم جاهلون بإدارة البلاد لأنهم لا يفهمون السياسة، كل هذه اتهامات باطلة وسطحية.

ولو تأملنا في التاريخ سنجد أن القادة العسكريين هم الذين بنوا أمجاد أعظم وأكبر وأكثر الدول في العالم، وواقع الأمر يقول إن العسكر هم أكثر فئات الشعب وطنية وإيمانا بالوطن وأقلهم تأثرا بالإغراءات المادية والخارجية، وذلك بحكم طبيعة عملهم الذي يعتمد في الأساس على شعار التضحية بالحياة من أجل الوطن، وعموما فإن كون رأس السلطة عسكريا لا يعني البتة أن الحكم عسكري.

الملاحظ في مصر الآن بعد سقوط حكم الإخوان ليس فقط اختفاء شعار « يسقط حكم العسكر « بل بات واضحا أن هناك ترحيبا شعبيا كبيرا ودعوة عامة للفريق أول عبد الفتاح السيسي للترشح لرئاسة البلاد، هذا الترحيب المدعوم بزخم إعلامي كبير يروج لهذا الترشيح، ولا يلاحظ أية اعتراضات تذكر على هذا الأمر.

وربما يفسر البعض هذا بأنه كرها في الإخوان وما تركوه لدى الشعب من انطباعات مأساوية على مدى عام من حكمهم، لكن الأمر في الواقع يغلب عليه الإحساس الشعبي بمصداقية ووطنية السيسي الذي خرج أكثر من عشرين مليون مصري للشارع تلبية لندائه.

أعتقد أنه إذا ترك السيسي العسكرية وترشح للرئاسة فلن تكون هناك أية فرصة لغيره لمنافسته.