أعود للكتابة بعد عودتي من إجازتي السنوية التي قضيتها في روسيا، هذا البلد الذي عشت فيه أجمل سنوات عمري منذ أن رحلت إليه في زمن الاتحاد السوفييتي منتصف الثمانينات، للدراسات العليا في جامعة موسكو، وما زلت مرتبطا به. ورغم التغييرات الهائلة التي حدثت في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فإن روسيا البلد والشعب لم تتغير، فما زال الروس يؤمنون بأنهم أبناء دولة عظمى.

وما زالوا يعشقون الثقافة والفنون ويتحدثون في السياسة ليل نهار، ورغم الغزو الثقافي والفني والحضاري الغربي لروسيا، فإن الروس ما زالوا متمسكين بثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، ومتمسكون أيضا بمبادئهم، وما زال اهتمامهم بالعالم وبالشعوب الأخرى وقضاياها كما كان في الزمن السوفييتي، وخاصة اهتمامهم بمنطقتنا العربية وما يحدث فيها، ويؤسفني أن أقول إنهم يستوعبون قضايانا ومشاكلنا العربية أكثر من استيعابنا نحن لها.

وما يدهشني كثيرا في روسيا التي تعاني من التطرف الإسلامي وتنتشر فيها الجماعات المتطرفة التي ترتكب في مدنها أعمالا إرهابية يذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء، أنك لا تسمع فيها أية كلمة إساءة للإسلام ولا للمسلمين، ويعيش فيها أكثر من 25 مليون مسلم يشكلون نحو 17% من شعبها، ولا يشعرون بأية تفرقة في المعاملة تجاههم، والمساجد تنتشر في كافة مدنها وتبنى دائما مساجد جديدة، وخاصة في العاصمة موسكو التي يعيش فيها نحو مليونين من المسلمين.

المشكلة التي تعيشها روسيا الآن في رأيي هي الدعاية الإعلامية الغربية المكثفة ضدها، خاصة في عهد الرئيس بوتين، ومن يتابع الإعلام الغربي يهيئ له أن بوتين ديكتاتور مستبد، بينما عندما تذهب لروسيا وتلتقي بالروس تجد بوتين هذا بطلا شعبيا أكثر منه رئيس، ويحظى بشعبية كاسحة لا ينافسه فيها أحد.

وقد التقيت بأصدقاء لي من الروس ومن العرب الإعلاميين وغيرهم في موسكو، وكثير منهم من المعارضة التي تنتقد النظام في روسيا، لكنني وجدتهم جميعا مجمعين على بوتين كزعيم وطني صادق حقق لبلاده إنجازات أشبه بالمعجزات، واستطاع أن يرفعها من الحضيض الذي هبطت إليه في التسعينات، إلى مصاف الدول الكبرى، وجعل منها أقوى فاعل سياسي على الساحة الدولية ينافس القطب الأميركي ويوجه الأمور كيفما يشاء.

البعض من الأصدقاء يتصورون أنني متعصب لروسيا وللرئيس بوتين أكثر من اللازم، لكنني أقول لهم: لا تستمعوا للدعاية الغربية وزوروا روسيا والتقوا بالشعب الروسي حتى تعذروني.

بعيدا عن السياسة التي حاولت أن أنساها تماما أثناء رحلتي، فإنني أقول صراحة إن انبهاري وإعجابي بروسيا وشعبها يزداد في كل مرة أزورها فيها، وقد زرت دولا عديدة في مختلف قارات العالم، ومنها الولايات المتحدة، لكنني على يقين من أن روسيا هي الأقوى بشعبها وتاريخها وثقافاتها وثرواتها الطبيعية الهائلة، وأنها عائدة للقمة التي تستحقها عن جدارة.