من الواضح أن السلفيين في مصر لديهم طموحات كبيرة لممارسة العمل السياسي وتطلعات واضحة للوصول للسلطة، وعلى ما يبدو أن ما حدث على مدى عام من حكم الإخوان المسلمين شجعهم كثيراً على الخوض في هذا المضمار، رغم أنهم لم يكن لهم وجود على الساحة السياسية في مصر قبل ثورة 25 يناير.
ومثلهم مثل الجماعات الإسلامية وغيرهم من التيارات ذات الشعارات الدينية، تم استدعاؤهم من قبل الإخوان المسلمين بهدف تشكيل جبهة ضد التيارات السياسية الأخرى المعارضة، ولا أتصور أن الإخوان كانوا يفعلون ذلك إلا بمشورة أو توجيه مباشر من الجهات الداعمة والموجهة لهم في الخارج، خاصة في واشنطن.
ونتذكر هنا أثناء أحداث "الاتحادية" في ديسمبر الماضي عندما توجه نائب رئيس حزب الحرية والعدالة والقيادة الإخوانية عصام العريان فجأة إلى واشنطن بعد أن نما إلى علم الجماعة أن الأميركيين غاضبون من تصرفات الإخوان ويجرون اتصالات مع السلفيين.
وفي واشنطن تحدث العريان لصحيفة نيويورك تايمز مقللاً من شأن السلفيين وتواجدهم على الساحة في مصر، وقال للصحيفة بالحرف "جماعة الإخوان تخاطب بالدرجة الأولى الطبقة الوسطى، بينما يستهدف الخطاب السلفي الطبقات الدنيا من المواطنين المهمشين المعزولين عن المشهد الدائر في مصر".
تصريحات العريان آنذاك عكست بوضوح التنافس بين الإخوان والسلفيين على "الحضن الأميركي"، وهو ما انكشف أخيراً في الاتصالات التي أجراها السلفيون مع الأميركان بعد سقوط الرئيس مرسي ولقاءاتهم مع السفيرة الأميركية "آن باترسون" التي لم ينكروها وتم تسجيلها بالصور.
الآن تتردد الدعوات لاستقطاب السلفيين للمشاركة في الحياة السياسية كتيار إسلامي معتدل ومتدين وله قواعد شعبية كبيرة، والحقيقة أن هذا التيار السلفي سيفقد اعتداله وتدينه بدخوله معترك الحياة السياسية، وسيستخدم كأداة في يد الجهات التي توجه الإخوان من الخارج، وستُزيد القاعدة الشعبية الواسعة من أطماع السلفيين في السلطة.
ولو شاركوا في الانتخابات سيحصلون على الأغلبية التي حصل عليها الإخوان، وربما أكثر بعد اعتراف الجميع باعتدالهم وتدينهم، وسيلعبون على ورقة العاطفة الدينية وغياب الوعي السياسي لدى جموع الشعب المصري، ولن يستطيع أحد حينذاك أن يمنع المسيحيين من تكوين أحزابهم، وهكذا تسقط مصر في المستنقع الذي يريده لها أعداؤها.
السلفيون متدينون طالما هم بعيدون عن الصراعات السياسية، وكذلك كان الإخوان المسلمين الذين دفعتهم شهوة الاستحواذ على السلطة إلى التحالف مع شياطين الإرهاب.
والسلفيون ليسوا جميعاً متدينين وطيبين، وفيهم من أصحاب النوايا السيئة كثيرين، ومعظم الأبواق والطبول التي كانت تطبل للإخوان على الفضائيات هم من السلفيين، وسيعودون لممارسة الأساليب نفسها، وربما أقوى وأكثر تشدداً وتطرفاً.
المجتمع المصري لا يحتمل وجود أحزاب دينية ولا يحتمل انتشار الخطاب الديني الانقسامي، مصر بحاجة للخطاب المعتدل من الأزهر والكنيسة وبعيداً عن الصراعات السياسية.