عندما زار الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي السودان في الرابع من إبريل الماضي على رأس وفد ضخم، لم يكن الهم هو مناقشة تشكيل علاقات سوية بين البلدين الجارين، لكن جل الأمر كان يتركز حول كيفية تثبيت نظرية دولة الخلافة الإخوانية في العالم العربي.
وبدا أن العقلاء في مصر كانوا يعدون العدة لمنع تكرار تجربة الإخوان في السودان، التي حولت البلاد إلى قلعة إخوانية صرفة.
فبعد أشهر قليلة من وصول الرئيس عمر البشير إلى سدة الحكم في يونيو 1989، على ظهر دبابة خلف منظره الدكتور حسن الترابي الذي فشل في التناغم مع النظام المدني القائم آنذاك، تحولت كل المؤسسات السودانية الراسخة إلى قلعة للإخوان، وأقصيت الكوادر الوطنية المؤهلة من مواقعها في السفارات والوزارات والهيئات الحكومية، حتى تحولت الخدمة المدنية اليوم نسياً منسياً بسبب تلك التصرفات الرعناء، وأصبح المؤهل الوحيد في السودان لتعيين سفير أو وزير أو مدير لإحدى المؤسسات الإنتاجية المهمة، هو الانتماء للحزب الحاكم.
والأخطر والأمر هو أن الحزب الحاكم أصبح هو الدولة، عبر تحكمه في كافة الموارد والمقدرات وتحويلها لمنفعته الخاصة، مما وسع دائرة الفساد التي جعلت السودان في قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم، وتراجع موقعه إلى مؤخرة قوائم التصنيف الدولي في كافة المجالات.
دارت الأيام وجاءت بإخوان البشير والترابي إلى سدة الحكم في مصر، في لحظة غفلة ديمقراطية مرروا من خلالها خدعتهم للشعب المصري، وجروه نحو صناديق الانتخابات بلا استعدادات حزبية أو دستور واضح يحكم ذلك.
لكن الشعب المصري وبإرثه الحضاري الضخم، لم يشأ أن يمنح الإخوان الفرصة التي وجدوها في السودان أو يسمح لهم بممارسة هواية التدمير والقتل التي أرهقت جارهم الجنوبي، ووعوا الدرس جيداً وخرجوا في اللحظة المناسبة وأنهوا مسلسل الإخوان في حلقته الأولى، قبل أن يصل بهم إلى النهاية الكارثية التي وصل إليها الحال في السودان، وهذا ما ورد على لسان أحد قادة الجيش المصري الشرفاء الذي قال للصحفيين همساً في اليوم الثاني من مهلة الثماني والأربعين ساعة التي منحها لمرسي: إننا نرفض جر البلاد إلى حال متردٍّ وصل إليه شقيقنا الجنوبي الذي تحول بين ليلة وضحاها إلى دولة يسمح فيها بالعيش فقط للمنتمين لحزب الإخوان وما سواهم فليذهب إلى الجحيم.
نتمنى لمصر وشعبها عودة سريعة إلى الاستقرار والازدهار، في ظل دولة مدنية تحترم الجميع وتساوي بينهم دون تمييز على أساس انتماء أو لون أو عرق أو جهة، وهي كلها مبادئ تعاكس أمنيات الإخوان، والسودان مثال لجملة من الانتهاكات في هذا الجانب، وهي الوصفة التي حاول تصديرها للجارة مصر، عبر مرسي الذي شرب منها وراح ضحيتها.