يوم الجمعة هو يوم العطلة، جُل البشر في هدوء وفي سكون، وتحديداً صباحاً لا تكاد تسمع حِساً، ولا تلحظ حركةً، والجميع يحتاج إلى التقاط الأنفاس في نهاية كل أسبوع، أسبوع الجِد في العمل، والكد في الرزق، والعد في الأموال، والنِد في المنافسة، والضِد في الرأي، و"داءات" لا تنتهي، ولكل داءٍ دواء، علِمهُ من علمَه وجَهله من جِهله.
وجمال هذا الهدوء وذروته، تأتي بعد صلاة الفجر وقبل ارتفاع الشمس من صباح كل يوم جمعة، خلالها لا تكاد ترى ظل إنسان ولا تسمع ضجيج مركبة، وأثناء ذلك وفي هذا الشتاء الجميل والذي قارب نهايته بعد موسم أمطارٍ مبكر ومتكررٍ وغزيرٍ ومزهرٍ ومثمرٍ، يخرج أحدنا من بيته ماشياً على قدميه، رياضةً وتنزهاً وتأملاً، في منطقةٍ صحراويةٍ زراعيةٍ، رائعة وواسعة، جميلةٍ وملهمةٍ.
والجميع في هذا الوطن قد فرح بهذا المطر بعد سنوات عجاف، والمطر رحمة من الله، وقد تخللت ذلك أيامٌ من الضباب، وهو الندى، وهو أيضاً رحمة من الله، وكما كان يقول آباؤنا وأجدادنا: "هو الرحمة الصغيرة"، على أساس أن المطر هو الرحمة الكبيرة.. نعم، الماء هو كل شيء. وقد أصبحت الأرض كلها بساطاً أخضر، متدرج الألوان، ومتنوع الأزهار، ومتعدد الأنواع.
ومع أن الطيور لا تكل ولا تمل من العمل طوال العام، إلا أنها بين الشتاء والربيع تكون في عالم آخر، عالم الطيور الخاص، فهي في سعادة بلا حدود، تتزايد أعدادها، وتتعدد أنواعها، وتتلون ألوانها، وتتشكل تجمعاتها، وتجدها هنا وهناك، وبين الشجيرات، وعلى الأغصان، وفي كل مكان، ليست لديها عطلة جمعة، ولا على الرزق قلقة.
وجمعة بعد جمعة تنمو الشجيرات والأعشاب والأزهار، وتصل إلى ذروتها في الحياة، وتتكاثر لموسم جديد، وتتوقف عن النمو وتذبل وتصفر وتجف وتتكسر وتتساقط وتختفي.. دورة حياة كاملة في أيامٍ قليلة، وفجأة حياة أخرى تولد وتنشق الأرض وتنبت من جديد، متوالية نباتية لكل منها وقتها، خلقها وأبدعها الخالق الرزاق الوهاب الرحمن، والتي هي لله أسماء، رب الأرض والسماء، ولا يفتر عن ذكرها ابن الصحراء، مؤسس هذه البلاد، أب كل الأحفاد، زايد خير الاتحاد.
وفي هذه الصحراء، تظل هذه الوردة الصفراء فاقعة وصامدة، فقد جمعت الجمال والقوة، وتستمد طاقتها من عطاء ربها.
وإذا تجولت على الرمال وتفقدت ما عليها من أحوال، ستكون أمام عالم آخر، عالم مختلف لن تراه، ولكن ستحسه، عالم لا يظهر إلا بعد المغيب، عالم الليل، ستلاحظ آثار الأقدام وآثار الأجسام، مختلفة الأشكال والأحجام، ترسم لوحات طبيعية من جهد النشاط ومن حركة الإنتاج.
وكل تلك عوالم في عالم، بل أكوان في كون، هو جامعة علم، وهو معهد تدريب، بل هو مصدر فكر وإلهام، فهو سمو روح وهو حياة قلب، وهو خيال عقل، وحيوية بدن.. ولكل ذلك، كثيراً ما نلاحظ على القادة المُلهمين والمؤثرين والفاعلين، ارتباطهم بالطبيعة واللجوء إلى معايشتها، والخلوة فيها والتفاعل معها.. والمثال المثالي لذلك واضح وجلي وواقف أمامنا وفي مقدمتنا دائماً، ورقم واحد لا يخفى على أحد.