لم تشهد مصر في تاريخها فوضى أمنية مثل التي تشهدها الآن، والتي وصلت إلى حد الإضرابات في أجهزة الأمن وإغلاق أقسام الشرطة، وأخطر ما في الأمر أن نظام الإخوان الحاكم يتعامل مع الأمر بكثير من البرود وعدم الاهتمام الذي يثير الشكوك الكثيرة، وكأنها فوضى متعمدة تمهيدا لما هو أكبر.

حيث لم نرَ أي مبادرة من أي نوع لمواجهة هذه الأزمة، بينما خرج علينا النائب العام، الذي عينه الرئيس مرسي والمرفوض من الهيئة القضائية ومن الشعب، بقرار غير مسبوق، يمنح فيه الأفراد العاديين من الشعب حق الضبطية القضائية، أي استبدال الشرطة بأفراد من الشعب، ولم يحدد القرار من هم هؤلاء الأفراد الذين سيتولون مهام الأمن في الشوارع.

ومن سيكلفهم بهذه المهام ويوجههم لتنفيذها، ولا يمكن تصور عمومية القرار ليشمل أي فرد في المجتمع، كما أنه مستبعد ما يتصوره البعض، بأن يفوض الإخوان الأمر لكتائبهم وميليشياتهم.

وإلا تحمل الإخوان وحدهم مسؤولية الدم الذي سال والذي سيسيل في الشوارع، من المؤكد أن قرار النائب العام يقصد أفراداً محددين مؤهلين ومجهزين لتنفيذ هذه المهام، ومن المؤكد أن هناك مجموعات جاهزة من هؤلاء الأفراد يقصدهم بالتحديد نظام الإخوان، وربما هذا يفسر لنا عدم اهتمام السلطة الحاكمة في مصر بإضرابات أفراد الشرطة واحتجاجاتهم وعدم تحرك المسؤولين للحوار مع أجهزة ومؤسسات الأمن المضربة عن العمل.

بديهيا أن الإخوان لن يتركوا الأمر على عموميته ليصبح من حق أي فرد أو جهة أن تمارس مهام الشرطة والضبطية القضائية، والمتوقع الذي يدور حوله الحديث الآن هو استعانة النظام الإخواني بشركات الأمن الخاصة لتولي هذه المهام، وعلى ما يبدو أن الأمر يحتاج لشركات أمن على مستوى عال ليس لها وجود في مصر، مما يستدعي إحضارها من الخارج تحت حجة حاجة البلاد للأمن.

وهذه الشركات ظهرت في المنطقة العربية بعد غزو العراق عام 2003، وجميعها من أوروبا والولايات المتحدة، وتعتمد في الأساس على مجموعات من المتطوعين والمرتزقة من مختلف بلدان العالم، والذين يتم تدريبهم في معسكرات سرية، وتحظى هذه الشركات بسمعة سيئة عالميا، وكلنا نتذكر فضائح شركة "البلاك ووتر" في العراق.

هذا السيناريو ليس مستبعدا لدى الإخوان المسلمين، بل هو المتوقع قريبا، ولدى الإخوان علاقات وطيدة بالجهات التي تأوي وتدير هذه الشركات، ومعظم أفراد شركات الأمن الخاصة الغربية من عتاة المجرمين والإرهابيين ومن قدامى المقاتلين، وأيضا من ذوي الانتماءات للتنظيمات الدينية المتطرفة.

وكلنا نتذكر ممارساتهم البشعة في العراق، ونشاهد ما يفعلونه الآن في سوريا من جرائم قتل وذبح بشعة يصورونها وينشرونها، وسوف يتم تسليح هذا الأمن الخاص بعتاد وسلاح أقوى بكثير من تسليح الشرطة العادية، بحيث يكون مؤهلا، ليس فقط لمواجهة الأفراد والتجمعات، بل أيضا لمواجهة أي احتمال لأي تحرك لوحدات من الجيش، وهكذا يحقق الإخوان حلمهم في السيطرة على الأمن وتحجيم الجيش المصري، لتدخل مصر في السيناريوهات السوداء التي تعيشها بلدان أخرى مثل أفغانستان والعراق وسوريا وغيرهم.