من قتل ياسين بقوش؟

مرجح أنّ قذيفة من الجيش السوري قتلت الفنان الكبير، ياسين بقوش، غير أنّ هذه قناعة يؤكدها أو ينفيها تحقيق مستقل، ليس من تقاليد السلطة الحاكمة في دمشق أن تبادر إلى مثله، فلم يحدث أن صدقت في وعد بقيامها بأيّ تحقيق في وقائع مشابهة، ومن ادعاءاتها غير المنسية، ثرثرتها مرّة عن تحقيق بشأن الاعتداء على الفنان علي فرزات، وقبله عن تحقيق ما زال مشتهى في اغتيال عماد مغنية.

ولمّا سارعت السلطة المذكورة إلى رمي المسؤولية عن قتل بقوش، في سيارته في مخيم اليرموك الأسبوع الماضي، على إرهابيين مسلحين، وسارع ثوار في المخيم إلى اتهام جيش النظام بالجريمة، فذلكما من شواهد مضافة على حالة التباس عمّا يجري في المخيم الذي استهدفته، غير مرّة، طائرات الميغ، ونزح عنه آلاف من سكانه اللاجئين الفلسطينيين، وإن أوى سوريون إليه من مساكنهم في دمشق وريفها.

والبادي أنّ شيئاً من السيطرة على المخيم يتمّ لثوار، منهم من ينتسبون إلى تنظيمات إسلامية، فيما شبيحة وقناصة يتبعون النظام، بينهم عناصر في فصيل فلسطيني ملتحق بأجهزته، يقترفون جرائمهم التي راح ضحيّتها فلسطينيون نشطون في الإغاثة، لم يشهروا انحيازهم إلى حق الشعب السوري في التحرّر من الاحتلال بين ظهرانيه.

أن يرسل بشار الأسد من يعزّي باسمه أسرة بقوش، فهذه فعلة تنمّ عن محاولة احتيال على دم الرجل، والذي قال عارفوه إنه اصطفّ مع ثورة شعبه، وإن لم يؤثر أن يكون فدائياً فيشهر موقفه هذا، وفي البال أنه، رحمه الله، لم يشترك في أيّ من تظاهرات دجل فنانين سوريين، في اتجاه مديح النظام الذي يتصدّى لمؤامرة كبرى.

لم يكن من هؤلاء، ولم ينقل عنه شيء يشابه ما أقدم عليه رفيقه في مسلسلات وأفلام باقية في ذاكراتنا، دريد لحام، والذي طرده، قبل أيام، أهالي بلدة لبنانية، مع فريق فني، وكان يصوّر فيها مشاهد لمسلسل تلفزيوني، بسبب صمته عن جرائم يواصلها النظام، واصطفافه مع الأخير.

ولأنّ بقوش كان على طيبته التي لم يكن في أدواره التلفزيونية الشهيرة يؤديها ممثلاً، بقدر ما كانت تتشخّص على سجيّته، ولأنه كان مع شعبه السوري (ينحدر من أصل ليبي)، ولأنّ سوء الظنّ من حس الفطن، لذلك كله وغيره، في الوسع أن يقال إنّ قذيفة جيش النظام قتلته عمداً، لا سيما أنّ صوراً ناطقة أظهرته، قبل أسابيع، يدردش بلطف مع عناصر من الجيش الحر استوقفوه في سيارة كان يقودها أحد أبنائه الأحد عشر.

تناست انتعاشة الدراما السورية في العقدين الأخيرين ياسين بقوش، فيما كان من نجومها، ببصمته الخاصّة فيها، لكنّ دراما المحنة الراهنة لم تغفل عنه، فصار من ضحايا التباساتها الكثيرين الوديعين، في هامش من تفاصيلها العويصة. جاءت واقعة قتله لتذكّرنا بيفاعتنا الأولى، لمّا كانت مشاهدته على الشاشة من مباهجها.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات