هناك قناعة لدى الكثيرين بأن أميركا تخطط صح ولا تخطئ في تقديراتها وخططها، وهذه القناعة، للأسف الشديد، ليست لدى العامة من الناس فقط، بل هي موجودة لدى الكثير من الأنظمة الحاكمة التي تسلم أمرها تماماً لواشنطن، ثم تفاجأ، بعد فوات الأوان، أنها كانت مخدوعة، والأمثلة كثيرة، خاصة في عالمنا العربي.
تقديرات الأميركيين وخططهم ليست دائماً صحيحة وناجحة، بل إنها في الغالب فاشلة، والدليل على ذلك الثورات الشعبية العربية التي أسقطت أنظمة كانت من أقرب الحلفاء لواشنطن، ليجد الأميركان أنفسهم أمام مأزق كبير لم يكونوا مستعدين له.
ولم يجدوا ورقة يلعبون بها على الساحة سوى تيارات الإسلام السياسي، وخاصة تنظيم الإخوان المسلمين الذي تربطه علاقات خاصة بالمخابرات البريطانية والأميركية منذ الستينات من القرن الماضي، هذا التنظيم الذي نصح المستشار الأميركي المخضرم هنري كيسنجر الرئيس المصري الأسبق أنور السادات بإعادته للساحة السياسية ليضرب به التيارات الناصرية والقومية واليسارية.
كما أمرت واشنطن الرئيس المخلوع مبارك عام 2005 بأن يعطي الإخوان مقاعد في البرلمان، فحصلوا على 88 مقعداً، وعندما جاء أوباما في البيت الأبيض على نقيض سلفه بوش الابن، لم يعطي مبارك الإخوان ولا مقعداً واحداً في انتخابات 2010.
لقد دفع الأميركان بالإخوان لصدارة الصورة، وذلك لأنهم لم يكن لديهم خيار آخر، والأمور تتطور بسرعة، وإسرائيل ترتعد وتخشى صعود "عبدالناصر" جديد في مصر، وذلك على حد تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك قبل خلع مبارك من الحكم بأيام قليلة، لكن الإخوان، رغم قدراتهم التنظيمية الداخلية التي تميزهم عن كل الفصائل السياسية الأخرى، لم يكونوا جاهزين للحكم الذي لم يستعدوا .
ولم يُعَدوا له أبداً، لأن الغرب كان يستخدمهم كأداة ضغط على الحكم وليسوا كتنظيم يستعد للاستيلاء على السلطة، ولهذا فإني أقول دائماً إن الإخوان كانوا صادقين بعد الثورة مباشرة عندما قالوا إنهم لن ينافسوا على الرئاسة ولن يشغلوا إلا نسبة محددة لا تتجاوز 30% في البرلمان، لكن الأوامر أتت لهم من واشنطن بأن ينقضوا على السلطة في مصر، ومهدت لهم الطريق من خلف الأبواب.
الآن وبعد أن أثبت الإخوان فشلهم الذريع في إدارة أمور البلاد، سواء في مصر أو في تونس، وبعد ما حدث في ليبيا واغتيال السفير الأميركي هناك، ومع تصاعد حدة الغضب وتزايد زحف الشعوب ضد حكم الإخوان، ترى كيف تفكر أميركا في المرحلة المقبلة، وهل ستستمر على رهانها على الإخوان؟
الواقع أن الأميركيين بتأييدهم العلني ودعمهم المادي والسياسي للإخوان ارتكبوا خطأً فادحاً، ووضعوا أنفسهم في مأزق كبير من الصعب الخروج منه، خاصة وأنهم قطعوا خطوط التواصل مع التيارات الأخرى بعد اتهامهم لهم بأنهم أعداء للديمقراطية لأنهم يرفضون الإخوان الذين جاءوا عن طريق الانتخابات.
تطورات الأحداث تؤكد أن تقديرات وتخطيطات الأميركيين ليست دائماً صحيحة، وأنهم كثيراً ما يرتكبون أخطاء فادحة، وقد يأتي المستقبل القريب بأفضل ثمرات الربيع العربي، وهي تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة العربية، وحينذاك لن ننكر فضل الإخوان المسلمين في ذلك!!