العالم ينظر بقلق بالغ إلى تصاعد الأحداث في مصر، ولا يستطيع أحد، لا داخل مصر ولا خارجها أن يجزم بما ستؤدي إليه الأمور، لا من قريب ولا من بعيد، الأحوال والأحداث تشبه إلى حد كبير قرينتها في الأيام نفسها من عام 2011، فقط الإخوان حلوا محل نظام مبارك، والشعب ثائر في كل مكان، بل أنه في المحافظات الأخرى أكثر ثورة وغضباً منه في القاهرة.
وأعداد القتلى والجرحى في زيادة مستمرة، ومطالب الشارع إسقاط النظام، بينما مطالب المعارضة والأحزاب تختلف وتتراوح ما بين الحوار من عدمه أو الحوار بشروط، الأوضاع نفسها التي كانت عام 2011 قبل تنحية مبارك من الحكم.
الإخوان في ورطة حقيقية وفي حالة هلع وخوف واضحين، ومع ذلك يحاولون إظهار أنفسهم وكأن الأمر ليس خطراً بهذه الدرجة، قرارات الرئاسة بإعلان الطوارئ وحظر التجول في محافظات القناة الثلاث، لا قيمة لها ولم يلتزم بها أحد، ولا يمكن فرضها بالقوة، لأن ميزان القوة الآن في الشارع المصري لصالح الجماهير، والسلطات الأمنية تبدو وكأنها في موقف دفاع عن النفس.
خلاصة هذا المشهد المتصاعد أن النظام الحاكم في مصر الآن فاقد القدرة على إدارة البلاد، وأن مصر بمشكلاتها وحجمها ووزنها وتاريخها أكبر بكثير من أن تحكمها جماعة قضت معظم عمرها في السجون بعيدة عن ركب التطور والحضارة والعلم.
وقد انعكس هذا بوضوح تام في أساليب جماعة الإخوان المسلمين خلال الأشهر الماضية، إنهم في استحواذهم الشديد للسلطات ورفضهم إشراك الآخرين معهم، إنما ينطلقون من منطق العصابات التي تفضل العمل في الخفاء بعيداً عن أعين الآخرين، لقد كانوا مضطهدين ومرفوضين من كل أنظمة الحكم السابقة.
وهذا أعطاهم الفرصة الكبيرة للحصول على الدعم والتأييد من الجهات الخارجية صاحبة المصالح غير المحدودة في مصر، هذه الجهات لم تتوقف عن دعم الإخوان، ولا حتى في عهد مبارك، فقد كانوا دائماً بمثابة ورقة الضغط على النظام الحاكم لإخضاعه لتنفيذ المزيد من الطلبات، ولم يكونوا يوماً ما يحلمون بالوصول للسلطة، ولم يعدوا أنفسهم لها، والآن وقد وصلوا للسلطة بدعم وتأييد كامل من الجهات التي تدعمهم من الخارج.
فبالقطع عليهم دفع الثمن، والثمن ليس بسيطاً، بل أجندة كاملة بطلبات ليس منها أي شيء من مشكلات الشعب المصري ولا مشكلات الوطن، ولا يمكن لأحد أن يطلع على تفاصيل هذه الأجندة سوى عدد محدود من كبار أعضاء الجماعة ربما لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
وفي إطار هذه الصورة فلا مجال لإشراك أي قوى سياسية أخرى مع الإخوان في الحكم، ولا وقت لدى النظام لحل مشكلات الشعب، ولا مجال للتنمية والبناء والنهضة التي يتحدثون عنها، فهذه جميعها أشياء تتعارض تماماً مع الأجندة الخاصة والسرية للجماعة مع الجهات الداعمة لها في الخارج، هذه الجهات التي لا تريد مصر قوية بل تريدها دائماً ضعيفة ومنهكة ومنهارة.
لن يهدأ الشارع المصري أبداً، لأن الإخوان لن يستجيبوا لأي طلبات، والشعب لا يملك سوى الغضب والثورة، وسيظل الصراع قائماً ومتصاعداً إلى أن يحسم لصالح أحد الطرفين.