ظاهرة غريبة بعض الشيء يلاحظها بوضوح المتابع للإعلام المصري منذ تولي الإخوان المسلمين مقاليد الحكم بعد ثورة 25 يناير 2011، حيث نلاحظ الحملة الهجومية القوية التي تشنها كافة وسائل الإعلام المستقل في مصر، باستثناء القنوات الدينية، على نظام حكم الإخوان المسلمين وعلى جماعتهم وقياداتها.

وعلى تيارات الإسلام السياسي بشكل عام، أما الإعلام الرسمي الذي تملكه الحكومة فيمكن إخراجه من المعادلة برمتها لأنه كما يسمونه في مصر " إعلام عبد المأمور " الذي جُبِل على طاعة النظام الحاكم وتأييده مهما بلغت مساوئه.

ولا ننسى أن هذا الإعلام الرسمي كان وفيا للرئيس المخلوع مبارك حتى لحظة إعلان تنحيته، ثم انقلب بقدرة قادر للنقيض تماما في نفس يوم إعلان التنحية وتحول إلى إعلام ثورة يهاجم مبارك ونظامه، وما أن تولى الإخوان المسلمون الحكم حتى عاد الإعلام الرسمي بسرعة يخلع عباءة الثورة تماما ويرتدى عباءة الإخوان.

وبشكل فج للدرجة التي بات فيها يسب الثورة والثوار ويهاجم رموزها وقادتها، ويردد كالببغاء ما يقوله الإخوان حتى لو كان كُفراً، وبالتالي يمكن إخراج الإعلام الرسمي المصري من المعادلة برمتها، ونعتبره كما يقولون شيء آخر من قبيل " الاسترزاق وأكل العيش".

على الجانب الآخر نجد جميع وسائل الإعلام المستقل، الغير ديني، تهاجم الإخوان بشراسة بالغة تصل في كثير من الأحيان إلى حد السب والقذف والإهانات البالغة لرموز الإخوان، بالشكل الذي يستوجب المساءلة القانونية، لكن على ما يبدو أن الإخوان لا يعيرون اهتماما كبيرا لهذا الأمر، ربما لإحساسهم بالفشل وعدم القدرة على تولي شؤون الحكم في بلد كبير مثل مصر.

وربما لانكشاف خططهم ومؤامراتهم للاستحواذ على السلطة، وربما لكثرة أخطائهم وأكاذيبهم، وربما أيضا لأنهم لا يقدرون على مواجهة هذه الحملة الإعلامية الشرسة لاتساع مداها وتعدد مصادرها. حقيقة أنه لم يحدث من قبل في مصر أن شن الإعلام المستقل حملة بهذه الشراسة والقوة ضد النظام الحاكم، بل على العكس كان أحيانا كثيرة يتنافس الإعلام المستقل مع الرسمي على التقرب من نظام مبارك وأركانه، وكان يؤيد الكثير من سياسات مبارك، أما مع الإخوان فنرى هذا الإعلام المستقل يرفض تماما كل خطوة يقومون بها، صغيرة أو كبيرة إن وجدت.

هذه الظاهرة في رأينا تعني أشياء كثيرة، من أهمها أن هذا الإعلام المستقل الذي يضم نخبة الإعلاميين والمثقفين المصريين لا يخشى الإخوان ولا يخاف بطشهم لأنه لديه قناعة تامة بأن الإخوان لن يستمروا طويلا في الحكم في مصر، وأن سقوطهم قريب، سواء بالانتخابات أو بالشوارع والميادين، وتعني أيضا أن نظام الإخوان مرفوض لدى قطاع كبير من الشعب، وإلا لما جرؤ الإعلام المستقل، الذي يعتمد في عمله على الانتشار الجماهيري، على تحديه والهجوم عليه بهذه الشراسة.

لو كانت شعبية الإخوان وتأييدهم بالحجم الذي تعكسه صناديق الانتخابات والاستفتاءات الماضية لما جرؤ الإعلام المستقل في مصر على شن هذه الحملة الشرسة عليهم خشية أن يفقد جماهيريته وموارده الإعلانية.