لا عزاء لنا

يبدو أن الغرب حتى وهو في قعر إفلاسه مادياً ومعنوياً، يستطيع أن يخوض حربه ضدنا دون توقف، بل حتى من دون أن يدفع أي ثمن، ما ينبئ أننا أدنى إفلاساً، وربما تجاوزنا القاع مادياً ومعنوياً أيضا.

وهما معركتان نخوضهما الآن ليس ضد أحد، ولكن ضد أنفسنا، وما يحدث في سوريا، التي بادت قوتها بين ليلة وضحاها على يد أهلها، أمر بدأ يدركه الجميع، سواء من كان مع الثورة أو ضدها، وهذا ما هدف إليه الأكلة المتكالبون على قصعتنا؛ من روسيا والصين والولايات المتحدة والغرب بأسره، بمواقفهم اللا أخلاقية واستراتيجيتهم لإطالة أمد المعركة، هذه اللا أخلاقية التي وجدت ضالتها في أنظمة قمعية وحشية عميلة للغرب ذاته، وهو الذي أتى بها ودعمها واستخدمها كما يستخدم السيد عبده في إنفاذ أهدافه، حتى إذا واتته الفرصة أو أجبر الظرف أن تكون عبئا عليه، انقلب ضدها.

تلك معركة، وذلك ثمن أكثر من باهظ يدفعه الأطفال والكبار والمحاربون والعزل من دمهم، بل وباهظ أكثر لأن تبعاته ستكون طويلة الأمد.. فالهدف أصبح واضحا، تدمير قوة الجميع في سوريا، وربما أيضا ما حولها، بيد شقيقة لا عدوة! وربما أيضا لن تقف هذه الحرب حتى لا نجد سكينا لذبح خروف، وتكون المنطقة كما يريدون لها أرض عبيد مسالمين، ولن يجد أحد وقتها عزاء حتى في التخلص من الأنظمة القمعية، التي كان غباؤها وسيظل وصمة عار وراء ما يحدث.

وأن ينتحر المرء، أمر خطير، ولكن الأخطر أن لا يكف عن إثخان جسده بعميق الجراح وتشويه صورة جثته، وهو وإن كان أمرا مستحيل الحدوث، إلا أننا لا مستحيل أمامنا، فهذا ما نفعله بالضبط في معركتنا الثانية.. وفي الدول التي أنجزت بعضا من ثورتها وأزاحت أنظمة القمع، نرى الفرقاء من دون استثناء، يقترفون ما هو أبشع من القتل في خصومتهم.

الخصومة التي تدار في العلن وأمام أعين العالم، عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل العنكبوتية، لا نصر فيها لأحد، وإنما هي هزيمة للجميع، بالإمعان في تشويه صورة العربي أمام العالم، وهو ما سيعطي نتائج لم يكن يحلم بها لا مستشرقون مزيفون ولا متلاعبون مخادعون، لا قديما ولا حديثا، لأنه لا أصدق من أن تترك الشخص يتحدث عن نفسه.

المتخاصمون تحدثوا عن أنفسهم في معاركهم بعد الثورات، بابتذال وسفه وقلة خبرة ودراية، وخاضوا جميعا حرب تشويه لأنفسهم ولخصومهم وللمجموع، فتركوا صورة لا يمكن بيسر تغييرها.

الغرب لم يدفع أدنى ثمن ليأتيه نصره على طبق من ذهب، ومعركتان من انتصر فيهما منا مهزوم. والمجنون قد يرمي حجرا في البئر، لكن إخراجه يحتاج إلى مئة عاقل.. ولا عزاء لنا جميعا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات