ديكتاتورية الفن

شاشة السينما التي تتسيد حين يُغيّب الظلام خارجها كله، قد يبدو أنها تبهت مع موسيقى النهاية عندما تضاء أنوار الصالة بالتدرج، ولكنها لا تموت تماماً حتى بعد نور الشارع الساطع، بل يظل وميضها الذي احتكر العيون لساعتين يطبع ومضة على الأذهان، ومضة لا يبقى الإنسان بعدها هو ذاته ما كان قبلها. الومضة التي صنعها إبهار استحق التصفيق، لا تتسلل إلى الذهن حاملة بقعة الضوء وحدها، وهذه سرعان ما تتلاشى، ولكن ما تطبعه إلى الأبد هو المضمون.. وهو مضمون يحتمل أن يكون معلناً، ولكنه في الأغلب مضمر.

هو إذن هدف مقصود في الحالتين، معلناً أو غير معلن، فتحويل قصة إلى السينما لعرضها على الشاشة، يصبح شيئاً مختلفاً تماماً عن القصة التي قد تحمل جزءاً غير قصدي، بما هو عملية إبداعية يتحدث من خلالها لاوعي الكاتب دون أن يعرف هو ذاته، كما يذهب إلى ذلك منظرون في علم نفس الأدب.

أما في السينما، فيبدأ الأمر بعملية انتقاء وتطويع لمجريات القصة، ثم حشد هائل لتقنيات ووسائل لتصميم لقطات منفردة أشبعت درساً قبل تجميعها، ولا ينتهي الأمر عند ترتيبات صالة العرض بخصوصياتها التي تقصر الضوء والصوت على الشاشة وتترك ما عداها مظلماً أخرس.

وليس علم التقنيات والوسائل، سمعية وبصرية وحركية، وحده الذي يقف خلف ذلك، وإنما تحتشد لهذا الأمر علوم شتى تشمل علوم الإنسان النفسية والفسيولوجية، وعلى كل شيء هناك، ما قبل الشاشة وأثناء إعلان سطوتها، أن يكون كافياً ليصنع، على سبيل المثال، رعباً، ويجعلنا نعاني منه. وعلى كل شيء أن يكون مدروساً، حتى الجمهور المتنوع الذي يوجه إليه العمل مع تنوع ثقافاته وقيم تأثره.

وما قبل الشاشة، لا يكون البطل هو العنصر الأساسي في العمل، وربما يكون الحلاق مثلًا هو العنصر الأكثر أهمية لصناعة الإيهام. والإيهام هو ما ندخل لمشاهدته في السينما، أو الخيَالة في العربية والمشتقة من الخيال، ولكننا هناك نترك لعيوننا أن تستلب مطمئنين أننا أمام عالم لا تدليس فيه، ويستهوينا التشويق، وهو عنصر هوليوودي أساسي، حتى نصل إلى النهاية مكبلي الحواس والأذهان، أما ما نصفق له في النهاية فهو الأسلوب والإدهاش والإبهار.

الشكل الذي يتركنا حبيسي إبداعه الخلاق، يخدر الذهن ويمهد له سرير الاسترخاء، ليسهل حقنه ببواعث عميقة تتخفى وراء الشكل، وقد نظن أننا بمغادرة الصالة، لم نحمل معنا غير متعة المشاهدة، لكن الشيفرة التي كتبت في اللاوعي قد تكون احتفظت، من دون أن ندرك، بأمر غاية في الخطورة، قد يصبح بدعم تكراره عبر وسائل الفن الجماهيري، مكوناً نفسياً أساسياً للأفراد والمجتمعات.

 وربما أن الغالبية العظمى من الجالسين على الكراسي أمام الشاشة، ليسوا ممن يمتلكون المعرفة الكافية بكل تلك العلوم والتقنيات التي تتآزر في هذه الصناعة، وهذا ما يجعل الشاشة الذهبية تمارس ديكتاتوريتها من غير رادع، وللتحرر من سطوتها فالمعرفة وحدها هي رديف الحرية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات