دعوني أحدثكم عن أسوأ شيء فعلته لابني. فعندما كان في سن الرابعة، أخذته إلى شقة صغيرة في الطابق السفلي لأحد المباني المنشأة بالحجر البني في مانهاتن، ودفعت مبلغا لرجل ليجري لابني اختبار ذكاء.

وكان الاختبار محاولة لإبعاد ابني عن فوضى المدرسة العامة "العادية" في مسقط رأسي في "هارلم"، ليصل إلى برنامج الموهوبين والنابغين في "أبر ويست سايد". اتسم أداء ابني بالعدائية بعض الشيء، إلا أن ذلك لم يهزني، لأنني لم أكن واثقا تماما من مدى أدائي لو كنت قد واجهت "اختبار ذكاء" في سن الرابعة.

وأعتبر أن اصطحاب ابني لإجراء هذا الاختبار هو "أسوأ شيء" فعلته كأب، لأن الأمر أعطاني الشعور بالخطأ قبل أن أقوم به. في أعماقي، كنت أعرف أنه كان هناك شيء مزعج بشأن هذا الموضوع، لكنني ذهبت على أية حال. كنت أباً شاباً، لكن كان ينبغي أن أعلم أفضل من ذلك.

لقد تغيرت نيويورك منذ ذلك الحين، وأضفت طابع المركزية على متطلباتها، ولم يعد يسمح لإداراتها بإجراء تدابير بيزنطية من هذا القبيل. ولكن إعداد أطفال في سنّ الرابعة للاختبار، لا يزال واجباً بين الطبقات الراقية في المدينة، وكانت النتيجة تضخماً مفاجئاً في عدد أطفال الروضة المؤهلين لبرنامج "الموهوبين والنابغين".

إن تركيز مثل ذلك النوع من السلطة، الذي يتمثل في معرفة عميقة لكيفية عمل آلية التقدم الاجتماعي، هو في جانب منه موضوع كتاب كريس هايز المذهل وهو "غسق النخب".

ويعد هذا الكتاب مؤلفاً نادراً ينبع من بيت سياسي (وهو اليسار)، إلا أنه يشكل تحدياً في الواقع للافتراضات التي تدعم المنطق المهيمن في كلا الحزبين السياسيين، وهو منطق الجدارة.

من خلال التفسير الذي يطرحه هايز، نود أن نقول لأنفسنا إننا نعيش في عالم يتم فيه دخول النخبة من خلال الجدارة المطلقة، عندما تلعب الأيادي الخفية دوراً في التقدم الاجتماعي بشكل أكبر مما نود الاعتراف به. يقول هايز إن الجدارة المحضة ذاتية التكرار، هي أسطورة يجب أن تؤول دائماً إلى الأوليغارشية.

وفي مقارنته بين العقوبات الخفيفة نسبياً التي تنفذ على من قادونا إلى حافة الانهيار المالي والطريقة التي يعاقب بها من يتعاطون المخدرات، يشير هايز إلى التناقض الضمني والعناء الذي يجره على أميركا، فيقول: "إننا لا يمكننا أن يكون لدينا مجتمع عادل يطبّق مبدأ المساءلة للضعفاء ومبدأ التسامح للأقوياء.. وهذه هي أميركا التي نعيش فيها حالياً".

الشيء الوحيد الذي يجعل مظاهر الحلم الأميركي شديدة التحريضية، هو تلك الحقيقة التي مفادها أننا جميعاً نعلم الذين يتحدون الصعاب، والذين تقف حياتهم على النقيض مما يتضمنه الانتقاد الهيكلي لأناس مثل هايز.

لقد شق والدي طريقه من رحم الفقر المدقع، وكان في نهاية المطاف قادراً على إرسال جميع أبنائه إلى الجامعة. وعلى طول الطريق حاولت أن أغرس في ابني فكرة أن هذه المعرفة صلتها محدودة للغاية بالذكاء أو العمل الشاق.. فقد ينتفع من شيء ما أكثر من انتفاعه بجدارته.