عندما يفشل النظام الحاكم في تحقيق مطالب الشعب وحل مشاكله، فإنه يلجأ إلى قضايا هامشية بعيدة عن هذه المشاكل والمطالب، وينفخ فيها عن طريق الإعلام أو أية وسائل أخرى، حتى تكبر وتتضخم ويتوجه إليها الرأي العام ليلتهي بها، وهذه سياسة قديمة ومعروفة، وتعتبر مصر الآن من أكثر الدول التي تستخدم فيها هذه السياسة وبشكل واضح ومكشوف.

ورغم هذا نرى الشعب المصري بمختلف فئاته، بمن فيهم النخبة السياسية والإعلامية، خاضعة لهذه اللعبة ولا تحاول الخروج منها، ونرى الآن على الساحة المصرية كم من القضايا المثيرة للرأي العام، وهي في الواقع أبعد ما تكون عن المشاكل الحقيقية التي هب الشعب المصري بثورة 25 يناير من أجل تحقيقها، هذا الشعب الذي كانت مطالبه محصورة في العدالة الاجتماعية والقضاء على الفساد وتداول السلطة، ولم يرفع في ثورته ولا شعاراً دينياً واحداً، وحتى الإخوان والسلفيون لم يرفعوا شعارات دينية عندما التحقوا بالثورة في الميدان.

ولم يكن يتصور هذا الشعب الثائر ضد الفقر والبطالة والفساد والسرقة وطغيان الأجهزة الأمنية وجبروتها، أن ثورته سوف تنحصر في قضايا الحرام والحلال وإطلاق اللحى أو حلقها وحجب المواقع الإباحية وهدم الأهرامات وأبو الهول ومحاربة التحرش، ولم يكن يتصور أن إعداد دستور جديد سيستغرق كل هذا الوقت وكل هذه المزايدات والصراعات، وكأن هذا الدستور سيأتي ليحل مشاكل مصر ويطعم شعبها ويوفر فرص العمل لملايين العاطلين.

والواقع أن الدستور في حد ذاته كوثيقة لا يستحق إعدادها كل هذا العناء والوقت الطويل، بل إن فقهاء القانون المصري سابقاً، مثل المرحوم عبد الرزاق السنهوري، وحده وضع دساتير ثلاث دول عربية، منها العراق ودولتان خليجيتان في أيام معدودة، والدستور في مجمل مواده يغلب عليه الإنشاء والشعاراتية أكثر من القانون وتعقيداته، والمواد القانونية المهمة فيه عددها محدود جداً وتكفيها ورقتان فقط.

ورغم هذا، وبعد أكثر من عام ونصف العام من الجدل والصراعات، ما زال الدستور أكبر لعبة انغمس فيها الإعلام والنخبة السياسية في مصر، بينما المشاكل الحقيقية للشعب المصري خارج دائرة الاهتمام.

وحتى مشكلة الأمن القومي المصري تم تهميشها بشكل واضح، ولم تثر قضية ما يحدث في سيناء إلا بعد عدة أشهر من الصدامات القوية بين الجيش المصري وجيوش أخرى من الإرهابيين والمرتزقة لا يعرف الشعب المصري من أين أتت، ولماذا أتت الآن بالتحديد بعد تولي الإخوان السلطة، ولم يكن لها أي وجود في سيناء من قبل؟

وبينما الجهات الحكومية صامتة والإعلام «مطنش» وملهي في القضايا التافهة، يخرج علينا نائب وزير الدفاع الأميركي بتصريح خطير يقول فيه: «إن الجيش المصري يواجه مأزقاً صعباً في سيناء».

 ما زال الأمر في سيناء غامضاً تماماً، ومشاكل الشعب المصري تزداد وتتفاقم، والصراع من أجل الاستحواذ على السلطة والاحتفاظ بها مستمر، والثورة المصرية بشهدائها تحولت لحدث تاريخي سوف نحتفل قريباً بذكراه الثانية، والرأي العام ملهي في لعبة الدستور وقضايا الحرام والحلال وتطبيق الشريعة، وغيرها من المسائل التي لا تسمن ولا تغني من جوع.