ببنطاله القصير حتى الركبتين، وقف ابن السابعة على كرسي خشبي قبالة أترابه، الذين شكلوا بأجسادهم الضئيلة صفوفاً متراصة في الطابور الصباحي. كانت المرة الأولى التي يتنكب فيها مهمة إقناع الآخرين بحديث لا يفهم كنهه ومراميه، إذ لم يكن هو من كتب الكلام، بل كان مجرد وسيط بين شقيقه ذي الهوى القومي، ومدير المدرسة وناظرها، وهيئة التدريس فيها.

بدا الطفل لقليل من الوقت مرتبكاً، لكن ما خفف من وطأة الرهبة لديه ابتسامة شقيقه، الذي حمّله أمانة تلاوة خطاب قصير، حول حدث جلل.

بضع كلمات وجهها المدير إلى الحضور، كانت كافية لإعطاء الضوء الأخضر للطفل كي يبدأ بتلاوة خطاب حماسي، لم يخل من تلعثم فرضته صعوبة لفظ بعض الكلمات، لكنه مكثف في مضمونه ودلالاته: "أيها الزملاء.. لقد اقتحمت قوات العدو الصهيوني بلدة كفر شوبا، عند حدودنا الجنوبية مع فلسطين المغتصبة، واعتقلت عدداً من الشبان، ودمرت منازل عدة ادعت أن أصحابها يتسترون على "الفدائيين"، أدعوكم إلى استنكار وإدانة سياسة العدوان والغطرسة التي تمارسها إسرائيل باستمرار، من خلال تنفيذ الإضراب تضامناً مع أهلنا الصامدين في القرى الحدودية".

وفور فراغه من تلاوة الخطاب، تعالت صيحات التلامذة المتجمعين في باحة المدرسة. ربما لم يكن هؤلاء التلامذة يدركون حقيقة ما يجرى هناك على الحدود، وأغلب الظن أن كل واحد منهم كان يرى في قرارة ذاته، فوزاً بيوم عطلة.

أما الخطيب الصغير فلم يكن بعد قد استوعب ما تلاه أمام زملائه، كان حجم العبارات ومعانيها تجاه المأساة الأصل في الوطن السليب، أكبر من إدراكه الصغير. وصل إلى منزل العائلة، حرص على أن لا تراه أمه عائداً من المدرسة باكراً، وقصد شقيقه الأكبر ليستفسر منه عن مضمون ما كتبه في الكلمة التي دسها له في جيبه.

فأجابه بابتسامة قائلاً: "يا عزيزي، إن إسرائيل التي على حدودنا حالياً، جاء شعبها من بلاد بعيدة، وراحت عصاباتها المسلحة بمساعدة الانتداب البريطاني، تطرد الفلسطينيين من قراهم ومدنهم إلى الشتات، وكثيرون حلوا لاجئين في بلدنا، وغيره من البلدان العربية، ومن تمسك ببيته ورفض الرحيل، راح ضحية للمجازر العديدة.

بعد مرور حوالى أربعة عقود على الحادثة، صار الصغير قريباً من كهولته، قصد بيته بعد اغتراب طويل، جلس في زاوية الغرفة الصغيرة، حمل جهاز الـ"ريموت كونترول"، صار يتنقل بين القنوات الفضائية، وفي جلسة لم تستغرق أكثر من ساعة، شاهد وسمع كلاماً يشبه كثيراً ما تضمنته الورقة التي قرأها على مسمع الحضور في باحة مدرسة القرية، لكن على لسان أشخاص لا يجمع بينهم شيء سوى من هو الأكثر مزايدة على الآخر بالعبارات الحماسية.

شعر بضيق في صدره، ضغط على الزر الأحمر في جهاز "الريموت كونترول" حتى لا يسمع مزيداً من "الزجل" السياسي الممل، ثم غادر الركن الذي كان جالساً فيه، واتجه من دون قصد نحو خزانة أهله الراحلين، بحث بين الأوراق والصور القديمة، وجد الورقة التي كتبها شقيقه الأكبر، ولا يزال يتذكر كلماتها في محطات الألم والأمل.