أثناء دراستي العليا للقانون الدولي في جامعة موسكو، في زمن الاتحاد السوفييتي، لاحظت غياب باب "حقوق الإنسان" من المنهاج، رغم أنه باب أساسي في هذا التخصص، وعندما سألت عن السبب أجابني أحد أساتذتي بأن "حقوق الإنسان" ليس منهجاً علمياً بل مجرد لعبة أميركية، وسلاح يستخدمه الغرب ضد الشعوب الأخرى.

وليست له علاقة بالقانون الدولي، بل هو شأن داخلي بحت تكفله القوانين الداخلية في كل دولة. لم أقتنع بكلام الأستاذ الروسي، اعتقاداً مني، آنذاك، أن السوفييت في مجتمعهم الشمولي لا يستطيعون تحمل أي بند من البنود الثلاثين التي تضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة في 10 ديسمبر عام 1948.

وظلت هذه القناعة راسخة تماماً لدي حتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، وكنت لا أزال مقيماً في روسيا. وبعد الانهيار وحتى عام 1997، شاهدت ما حدث في روسيا من فوضى واضطرابات وأزمات، ولاحظت انتشار مصطلح حقوق الإنسان والحريات بشكل مكثف.

وتابعت الانتشار الكبير لنشاط العديد من المنظمات وجمعيات حقوق الإنسان في روسيا، والتي تروج بشكل واضح لنموذج حريات وحقوق الإنسان في الغرب، دون أية مراعاة لطبيعة الشعب الروسي وعاداته وتقاليده التي تميل للطابع الشرقي أكثر منها للغربي.

ثم ظهرت بعد ذلك فضائح كثيرة لهذه المنظمات والجمعيات، تتعلق بعملها الاستخباراتي لحساب جهات أجنبية وتمويلها للمعارضة السياسية، ودفاعها عن تجارة الرقيق الأبيض وتجارة أعضاء الجسم والإجهاض والشذوذ الجنسي وحقوق المثليين من الجنسين، وغيرها من الأشياء التي لم يكن لها وجود في المجتمع السوفييتي، وتابعت ضغوط منظمات حقوق الإنسان على البرلمان الروسي حتى يصدر قانوناً يبيح الدعارة ويقننها، ولم يصدر هذا القانون الذي رُفض مرتين بأغلبية الأصوات.

ومنذ أيام أصدر البرلمان الروسي قانوناً يشدد العقوبة على الخونة الذين يثبت تعاملهم مع أجهزة استخبارات أجنبية، ورفع العقوبة من 7 سنوات إلى 20 عاماً، وهبت منظمة "هيومان رايتس ووتش" الأميركية، التي تدعي أنها دولية، لتنتقد بشدة هذا القانون وتطالب البرلمان الروسي بالعدول عنه، بحجة خشية استخدامه ضد المعارضة السياسية للنظام..

وكأن المعارضين من حقهم خيانة وطنهم والتعامل مع جهات أجنبية معادية للوطن، رغم أن هذا القانون موجود في الولايات المتحدة وبريطانيا، والعقوبة فيه تصل للسجن مدى الحياة، لكن لا أحد يعترض!

الآن وأنا أتابع الحملة التي تشنها هذه المنظمة المشبوهة على دولة الإمارات، وما صدر عن البرلمان الأوروبي من ادعاءات كاذبة تماماً في حق الإمارات، التي يمكن أن يضرب بها المثل في احترام حقوق الإنسان مع مواطنيها والملايين المقيمين على أراضيها من معظم جنسيات العالم، استعدت كلام أستاذي في جامعة موسكو.

وتيقنت تماماً أن شعار "حقوق الإنسان" الذي يرفعه الغرب بالتحديد، ليس إلا لعبة سياسية قذرة تستخدم للضغط على الدول الأخرى، بدليل أنها لا تستخدم ضد دول الغرب، وخاصة الولايات المتحدة صاحبة أكبر الفضائح في خرق حقوق الإنسان في سجن غوانتانامو.